العالم بين «اشتراكية» أميركا و«رأسمالية» الصين

العالم بين «اشتراكية» أميركا و«رأسمالية» الصين

العالم بين «اشتراكية» أميركا و«رأسمالية» الصين

 صوت الإمارات -

العالم بين «اشتراكية» أميركا و«رأسمالية» الصين

بقلم: حسين شبكشي

تزداد مساحة «الاشتراكية» في ساحة السلطة التشريعية بالولايات المتحدة، مع زيادة عدد المنتخَبين الممثلين لهذا التيار في الكونغرس، وكذلك استمرار اتباع الإدارة الأميركية سياسات حمائية متشددة، وأيضاً استمرار توسع الحزب الشيوعي الحاكم بالصين في سياسات رأسمالية جريئة. كيف سيتعامل العالم مع كل هذا التحول؟

العالم سيتعامل مع هذا التحول بطريقة براغماتية وانتقائية، مدفوعة بالمصالح الاقتصادية والأمنية أكثر من الآيديولوجيا. أميركا تتحرك تدريجياً نحو بصمة اشتراكية أكبر في السلطة التشريعية، مع سياسات حمائية تبتعد عن السوق الحرة المفتوحة، بينما الصين توسع المساحة الرأسمالية وتبتعد عن الشيوعية الاقتصادية الصرفة. وهذا يعكس اتجاهات جزئية ملحوظة، ولكنه ليس تحولاً كاملاً ولا نهائياً في أي من الجانبين.

أميركا ما زال اقتصادها رأسمالياً مهيمناً، مع قطاع خاص ضخم وابتكار سوقي، والصين تبقى تحت سيطرة حزب شيوعي مركزي، مع تدخل الدولة القوي رغم الإصلاحات السوقية. الاتجاهات الواقعية في أميركا تظهر لنا أن هناك زيادة في الإنفاق الاجتماعي، والتنظيمات، والسياسات الصناعية (مثل قانون خفض التضخم وقيود التصدير على التكنولوجيا)، بالإضافة إلى حمائية في التجارة (رسوم جمركية على الصين وغيرها). هذه ليست «اشتراكية» بالمعنى الكلاسيكي (ملكية عامة لوسائل الإنتاج)؛ بل رأسمالية منظمة أو «رأسمالية أصحاب المصلحة» مع تدخل حكومي أكبر. الحمائية موجودة في الحزبين كليهما لأسباب أمنية واقتصادية. ولكن لها الروح نفسها.

في الصين، هناك الإصلاحات الكبرى منذ دنغ شياو بينغ التي فتحت بها أسواقاً ضخمة، وخلقت طبقة رأسمالية كبيرة، وجذبت استثمارات هائلة، ولكن الدولة تسيطر على القطاعات الاستراتيجية، وتوجِّه الائتمان، وتقيد الحريات الاقتصادية عندما تتعارض مع أهداف الحزب. إنها «رأسمالية الدولة» أو اشتراكية السوق، وليست رأسمالية ليبرالية حرة.

الدول والشركات لن تتعامل مع «اشتراكية أميركا» ولا «رأسمالية الصين» كآيديولوجيات نقية؛ بل كواقع جيوسياسي واقتصادي، وبالتالي ستكون البراغماتية الاقتصادية أولاً، فمعظم الدول (أوروبا، واليابان، وكوريا الجنوبية، والهند، ودول الخليج، وجنوب شرقي آسيا) ستستمر في التعامل مع البلدين كليهما وفق المصلحة. وستشتري التكنولوجيا الأميركية المتقدمة والابتكارات، وستستفيد من التصنيع الصيني الرخيص وسلاسل التوريد. الحمائية الأميركية قد تدفع بعض الشركات إلى تنويع المصادر؛ لكن الصين تبقى مركزاً صناعياً لا يمكن تجاهله بسهولة.

التنافس الاستراتيجي والاحتواء سيكونان نقطة مثيرة للاهتمام، فالدول المتحالفة مع أميركا (الناتو، والرباعية... إلخ) ستزيد من التنسيق لمواجهة النفوذ الصيني؛ خصوصاً في التكنولوجيا والأمن البحري والطاقة. في المقابل، دول الجنوب العالمي (كثير من دول أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا) قد ترى في الصين شريكاً تنموياً أقل تدخلاً سياسياً، وفي أميركا مصدراً للتمويل والتكنولوجيا، فتلعب على التوازن بينهما.

التكيف مع الحمائية والتحولات الداخلية إذا استمرت أميركا في السياسات الصناعية والحمائية، قد يؤدي إلى إعادة توطين بعض الصناعات، ولكنه هذا يرفع التكاليف عالمياً، ويشجع دولاً أخرى على ردود فعل مماثلة (حروب تجارية محدودة).

توسع الرأسمالية الصينية -مع بقاء السيطرة السياسية- يعني استمرار جذب الاستثمارات، ولكن مع مخاطر أكبر مرتبطة بالديون، والعقارات، والتوترات الجيوسياسية. العالم سيطالب بمزيد من الشفافية والمعاملة بالمثل في الأسواق.

الاتجاه الحالي ليس انفصالاً كاملاً؛ بل هو فصل في القطاعات الحساسة (مثل أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والدفاع) مع استمرار الترابط في السلع الاستهلاكية والطاقة. والشركات متعددة الجنسيات ستبني سلاسل توريد مزدوجة لضمان استمرارية أعمالها.

أما عن التأثير على النظام الدولي، فسيكون على المؤسسات، مثل منظمة التجارة العالمية، التي قد تضعف أكثر إذا استمرت الحمائية من الجانبين. الدول المتوسطة ستسعى إلى ترتيبات إقليمية بديلة. في النهاية، القوة الاقتصادية والعسكرية والابتكارية تحدد المعاملة أكثر من التسميات الآيديولوجية.

هذا التحول -إن استمر- لن يجعل العالم يختار «اشتراكية أميركا» ولا «رأسمالية الصين» كنظامين مثاليين؛ بل سيتعامل معهما كقوتين عظميين تتنافسان وتتداخلان. التاريخ يُظهر أن الدول تتكيف مع الواقع: الاتحاد السوفياتي السابق لم يمنع التجارة مع الغرب عندما كانت مفيدة، والصين اليوم ليست مغلقة. النجاح أو الفشل سيعتمد على الإنتاجية، والاستقرار، والقدرة على توليد النمو والابتكار، لا على درجة «الاشتراكية» ولا «الرأسمالية» المعلنة. الوضع ديناميكي، وأي تحليل يجب أن يأخذ في الاعتبار أن السياسات الداخلية في البلدين كليهما قد تتغير مع الدورات الانتخابية أو الضغوط الاقتصادية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العالم بين «اشتراكية» أميركا و«رأسمالية» الصين العالم بين «اشتراكية» أميركا و«رأسمالية» الصين



GMT 17:00 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

إميل حبيبي

GMT 16:59 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

شطرنجيات بقائي

GMT 16:58 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

«اتفاقية مكة»... نضج استراتيجي إقليمي

GMT 16:56 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

سياسات نفطية

GMT 16:54 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

الرياض وباريس... قرنٌ من الشراكة

GMT 16:53 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

واشنطن و«حزب الله»... ملاحقة كاشفة

GMT 16:53 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

بين لبنان النموذجي و«المناطق النموذجية»

GMT 16:51 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

الاعتدال لا يعنى الانبطاح

10 إطلالات جمعت بين الراحة والأناقة لدرة خلال رحلتها الصيفية

ماربيا - صوت الإمارات
استعرضت النجمة التونسية درة مجموعة من الإطلالات الصيفية المميزة خلال إجازتها في مدينة ماربيا الإسبانية برفقة زوجها المهندس هاني سعد، حيث جمعت خياراتها بين الراحة والأناقة لتناسب النزهات الشاطئية والتجول في شوارع المدينة. وارتدت درة فستاناً أبيض طويلاً بقصة انسيابية ومزين بتطريزات لامعة على هيئة نجمات وقواقع ونجوم بحر، مع جزء علوي بحمالات عريضة وتنورة خفيفة شفافة نسبياً، ونسقت معه صندلاً أبيض وحقيبة صغيرة بطبعة وردية. كما ظهرت بفستان طويل باللون الكشميري الوردي بطبعة شرقية مزخرفة بدرجات البني والوردي، تميز بعقدة متداخلة عند الخصر وفتحة جانبية، مكملاً بحقيبة دائرية وصندل بيج ووردي. وفي ظهور آخر، اختارت درة فستاناً قصيراً واسعاً بنقشات هندسية بألوان البيج والوردي الفاتح مع حواف من الدانتيل الأبيض وأكمام واسعة منفوشة، ...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 19:05 2020 الإثنين ,21 كانون الأول / ديسمبر

أبو الغيط يرحب بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

GMT 09:26 2015 الأربعاء ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

الشاعر والإعلامي محمد غبريس يصدر "أحدق في عتمتها"

GMT 19:09 2022 الجمعة ,10 حزيران / يونيو

"لامبورغيني أوروس" تسجّل رقم إنتاج قياسي جديد

GMT 02:48 2019 الأحد ,20 تشرين الأول / أكتوبر

أوكرانيا تكشف عن "صاروخ خارق" يشبه "خا-31" روسي الصنع

GMT 23:25 2013 الخميس ,30 أيار / مايو

زيد حمزة يصدر كتاب "بين الطب والصحافة"

GMT 22:52 2018 الثلاثاء ,27 آذار/ مارس

السيسي وثورة بيضاء على إعلام "الثرثرة"

GMT 22:12 2015 الجمعة ,20 شباط / فبراير

صدور كتاب "حكاية مقاهي الصفوة والحرافيش"

GMT 00:18 2022 الثلاثاء ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

نيسان نيسمو تكشف عن نيسان Z GT4 في معرض "سيما" SEMA 2022

GMT 18:59 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

بصمة سيارات لينكون في السينما منذ ظهور التلفزيون الملون
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates