بقلم: عمرو الشوبكي
لا يزال البعض يخلط بين الاعتدال والانبطاح، مثلما يختزل البعض المقاومة فى جانبها المسلح والعسكرى، ونسى أن قوام المقاومة مدنى وسياسى، وأن هناك تجارب تحرر وطنى اعتمدت أساسًا على المقاومة المدنية ونجحت أو مزجت بين الاثنين ونجحت أيضًا، وفى كل تجارب النصر والنجاح لم يكن هناك مطلقًا اعتماد على وسيلة المقاومة المسلحة فقط.
والحقيقة أن خيار الاعتدال فسره البعض بمعانٍ لا تعكس طبيعته ولا مضمونه لكى يبرر هجومه عليه رغم فشل الخيارات المقابلة فى المقاومة المسلحة أو ما اصطلح على تسميته بخيار الممانعة رغم تضحياته ونبل مقصده.
إن خيار الاعتدال على الساحة الفلسطينية لم يكن خيارًا سياسيًا طلع فى ذهن بعض قادة منظمة التحرير الفلسطينية إنما انطلق فى بداياته من النضال الشعبى والمدنى كورقة ضغط على الدولة العبرية عقب انتفاضة الأقصى فى عام 2000، وبعدها دخلت المنظمة وياسر عرفات فى مسار تفاوضى أسفر عن اتفاق أوسلو فى 2003، وأعطى حكمًا ذاتيًا للفلسطينيين فى الضفة وغزة.
وبقيت نقطة ضعف هذا الخيار ليس فى التفاوض الذى جاء بعد انتفاضة شعبية ومدنية غير مسلحة، إنما فى تحول مؤسسات السلطة الفلسطينية إلى كيانات بيروقراطية فيها كثير من الترهل وسوء الأداء، وفقدت جزءًا كبيرًا من حاضنتها الشعبية التى دعمتها عقب انتفاضة الحجارة وانتفاضة الأقصى، وذهبت إما لتنظيمات المقاومة المسلحة أو تمسكت بنضالها الشعبى والمدنى ضد الاحتلال ولكن خارج أطر السلطة الفلسطينية.
يقينًا، إسرائيل مسؤولة عن إضعاف تيار الاعتدال وإغلاق طريق التسوية السلمية وحل الدولتين ببناء المستوطنات وقمع العمل المدنى الفلسطينى وبناء نظام عنصرى يقهر ويقتل حتى من لم يحملوا سلاحًا، ويقضى على طموحات الشعب الفلسطينى فى بناء دولته المستقلة.
ومع ذلك لا يمكن القول إن نموذج «الاعتدال الفاعل» لم تكن مشكلته أنه ذهب للتفاوض عقب انتفاضة شعبية إنما فى السياسات الإسرائيلية وطريقة التعامل معها وخطايا السلطة وحركة حماس على السواء.
من الواضح عند قراءة المشهد الحالى بعد عملية 7 أكتوبر وإعلان حماس عن موافقتها على تسليم سلاحها فى مقابل انسحاب إسرائيل من غزة، أن ذلك يشير إلى تجميد خيار المقاومة المسلحة وفشله فى السياق الحمساوى فى تحقيق طموحات الشعب الفلسطينى فى الحرية والاستقلال، فى حين تصاعد حضور تيار الاعتدال الفاعل المدنى والسياسى على المستوى العالمى، وبات من مهامه ليس فقط دعم مرشحين مدافعين عن القضية الفلسطينية ولا التظاهر ضد جرائم الإبادة الجماعية التى ترتكبها الحكومة الإسرائيلية، إنما أيضًا توثيقها وطرحها فى المحافل الدولية، وهى مهمة قوى أو دول مدنية تنتمى لـ«الاعتدال الفاعل» مثل جنوب أفريقيا وتيارات مدنية داعمة لحقوق الشعب الفلسطينى عبر العالم ذهبت إلى محكمة العدل الدولية أو دعمت مرشحين نجحوا داعمين للقضية الفلسطينية.. وهو تحول كبير.