مدن للحياة

مدن للحياة !

مدن للحياة !

 صوت الإمارات -

مدن للحياة

عائشة سلطان

أومن بأن كل مكان على وجه الأرض، بإمكانه أن يكون أجمل وأكثر رحمة ومناسبة لحياة البشر، ببعض العناية وكثير من اللون الأخضر، قبل تشييد الأبراج ومباني الزجاج الصقيلة والمرايا المتوهجة، فبحسب نظرية الاحتياجات يرغب الإنسان في أن يتنفس قبل حاجته لأي شيء آخر، ويتطلع للأمان والتقدير والحرية قبل أن يفكر في الكماليات والمظاهر وأبراج الزجاج وشوارع الإسفلت، إن الحياة في نهاية المطاف فكرة، كل يعبر عنها بطريقته ويحياها كما يؤمن بها، لقد علمتني أمي أنه في البدء كانت الفكرة وكان الإنسان وكانت الشجرة، وأن أول الحضارة استقرار ومستلزم الاستقرار وجود الماء ونتيجته الزراعة ومحصلته تكوين المدن والحضارات !

أقمت في فندق رائع وشديد البذخ في إحدى مدن الصحراء لعدة أيام، لكنني كلما نظرت من نافذتي في الطابق العاشر اعتراني إحساس بالوحشة وبأن الحياة تكاد تكون خالية من الحياة ! تماما كما نظر الراحل أنيس منصور ذات شتاء من نافذة غرفته في مدينة طشقند، فلم ير سوى بياض الثلج يخيم على امتداد المكان حتى نهاية الأفق، نعم هناك حركة بناء وأبراج ومجمعات سكنية، لكن الحياة لا تتمظهر في ذلك فقط، كنت أفتش كل صباح عن فكرة للكتابة فلا تلمح عيناي سوى سيارات تتسارع في ذلك الشارع المقفر، وفي البعيد بحر فقد لونه وبيوت لا تكاد ترى لشدة الغبار والحرارة، وفي البعيد بدا اسم شركة شهيرة، الأشجار تكاد تكون معدومة والخضرة لا وجود لها إلا على حواف سور الفندق !

نعلم أننا مدن ملح انبثقت من قلب الصحراء وأن هذا القلب قاحل وشديد الجفاف، لكن الحضارة رؤية كامنة تتطلب عملاً وتحتاج إرادة، وأن مؤسسنا الكبير المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حين قرر أن تكون هناك وحدة تجمع أبناء وإمارات الصحراء، قرر في الوقت نفسه أن ينقلهم من التفرق للوحدة، ومن أحزمة الجفاف إلى الأحزمة الخضراء، فزرع بيديه ووضع الماء الدافق تحت الأشجار بنفسه، وأمر بأن تزرع الصحاري والفيافي والجزر التي تفصل بين الشوارع وحتى الجبال أمر بأن تجهز بتقنيات الري وأن تزرع، والنتيجة أن الذين يعيشون أو يذهبون اليوم لمدينة العين مثلا يتلمسون مدى رقة المدينة وعذوبتها واخضرار آفاقها لكثرة ما اهتم الشيخ زايد بزراعتها وتشجيرها، وليست العين سوى مثال حي ضمن أمثلة لا تعد ولا تحصى !

لنتفق على حقيقة خلاصتها أننا جميعاً في تطوافنا بكل المدن اكتشف أكثرنا أن هناك مدناً بنيت ليعيش فيها الناس، لا ليسكنوها فقط، فهناك فرق بين أن تعيش في مكان بكل حواسك واحتياجاتك تؤسس فيه ذاكرة مكتنزة تحبها وتحترمها، وتراكم تاريخاً لا تنكره ولا تتبرأ منه لأي سبب، ثم تتزوج وتنجب أطفالاً يعيشون كما عشت في المكان نفسه ويكون لك أصحاب على امتداد تلك الذاكرة، وبين أن تسكن مكاناً أو مدينة لهدف أو سبب محدد، لتعمل ثم تمضي، لتجمع مالاً ثم ترحل، لتحقق غاية ثم تغادر عازماً على عدم العودة، أو أن تعيش طوال عمرك بإحساس الغريب المستظل بشجرة يقلب بصره في الأفق انتظاراً لفرصة رحيل سانحة يقتنصها، بعض المدن لم تؤسس للحياة ولا يمكن للحياة فيها أن تكون سوى حياة مؤجلة أو حياة طاردة، تلك مدن مر بها بعضنا أو قرأنا وسمعنا عنها ذات يوم !

الناس في كثير من مناطق العالم أعادوا بناء مدنهم بعد خراب الحربين العالميتين، استفادوا من رحمات المطر والطقس والخضرة وإرادة الحياة وفكرة الحضارة والحرية، أنتجوا لأنفسهم مدناً صارت بهجة للقلوب والأبصار والأرواح، ليحيوا فيها ولتحيا فيهم مانحة إياهم كل متطلباتهم واحتياجاتهم الإنسانية والبشرية معاً.

.

كلنا نحتاج هذه المدن ونتوق إليها ونسافر بحثاً عنها أحيانا !

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مدن للحياة مدن للحياة



GMT 16:59 2026 الثلاثاء ,28 إبريل / نيسان

سؤال غير محترم!

GMT 16:54 2026 الثلاثاء ,28 إبريل / نيسان

سؤال غير محترم!

GMT 01:24 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

أجمل هدف لم يأتِ فى الدورى!

GMT 01:22 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

مشهد رخيص من موسكو

GMT 01:20 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كروان السينما «المُلك لك لك لك»

GMT 01:17 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سنة أولى برلمان

GMT 01:15 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

GMT 01:13 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

السيادة الوطنية... مبدأ تحت الحصار

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس - صوت الإمارات
تحرص الفنانة درة على تقديم إطلالات يومية متجددة تعكس أسلوبًا عمليًا وأنيقًا في آنٍ واحد، خاصة خلال موسم ربيع 2026، حيث ظهرت في مجموعة من الإطلالات التي تناسب النزهات الصباحية والتنقلات اليومية، مع الحفاظ على لمسة أنثوية راقية وتفاصيل عصرية تمنحها حضورًا لافتًا دون مبالغة. في أحدث ظهور لها، اختارت درة إطلالة بسيطة مستوحاة من أسلوب الشارع، تمثلت في بنطال قصير وضيق باللون الأسود مع توب بنفس اللون، ونسقت فوقهما معطفًا خفيفًا باللون الكريمي بقصة مستقيمة وياقة عريضة، ما أضفى توازنًا أنيقًا على الإطلالة. وأكملت مظهرها بحذاء مدبب بكعب عالٍ، وسكارف منقوش حول العنق، مع حقيبة كتف داكنة ونظارة شمسية كبيرة، واعتمدت تسريحة شعر ويفي منسدلة. وفي إطلالاتها الصباحية الأخرى، برزت صيحة بنطال الدنيم كخيار أساسي، حيث اعتمدت تصاميم متنوعة تجمع ...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 03:30 2020 الإثنين ,14 أيلول / سبتمبر

ألكسندر زفيريف ينتفض ويبلغ "أهم نهائي" في تاريخه

GMT 19:24 2013 الأربعاء ,04 كانون الأول / ديسمبر

مناطق شمال أوروبا تستعد لاستقبال عاصفة شتوية قوية

GMT 01:31 2013 الأربعاء ,23 كانون الثاني / يناير

وزير الكهرباء: توليد 550 ميغاوات من طاقة الرياح

GMT 01:24 2017 الأربعاء ,27 أيلول / سبتمبر

"الناشر المكتبي"

GMT 08:12 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

إيقاف مدرب بوروسيا مونشنجلادباخ مباراة في كأس ألمانيا

GMT 12:23 2019 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

امرأة ميتة دماغيًا منذ 117 يومًا تنجب طفلة سليمة

GMT 16:57 2018 الأربعاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

ميغان هانسون تخطف الألباب بإطلالة مميّزة خلال رحلة شاطئية

GMT 13:36 2018 الإثنين ,11 حزيران / يونيو

طرق ترطيب الشعر الجاف وحمايته من حرارة الصيف

GMT 18:33 2016 الثلاثاء ,01 آذار/ مارس

ارتفاع عدد ضحايا العاصفة جوناس إلى 30 ضحية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates