شعرة معاوية

شعرة معاوية!

شعرة معاوية!

 صوت الإمارات -

شعرة معاوية

عوض بن حاسوم الدرمكي
بقلم - عوض بن حاسوم الدرمكي

مما يروى عن الصحابي الجليل الأحنف بن قيس رضي الله عنه وقد كان يُضرَب به المثل في الخُلُق وشِدّة الحِلْم أنّ رجلاً شتمه وأساء له في الكلام، فلم يردَّ عليه ومشى في طريقه لكن الرجل لم يتوقف ومشى وراءه وهو يزيد في شتمه، فلما اقترب الأحنف من الحي الذي يسكن فيه، وقف وقال للرجل: «إن كان قد بقي في نفسك شيء فَقُلْه قبل أن يسمعك أحدٌ من الحيّ فيؤذيك» فخجل الرجل من نفسه وعاد!

ليس كل انتصار يحتاج عِراكاً، ولا كل موقفٍ مُلتَبِس يتطلب أنْ نُفتّش فيه، ولا كل كلمةٍ نسمعها ولا تروق لنا يجب علينا أن نرد عليها بأشرس منها، فكم مِن «تغافل» قد كان أقدر على الانتصار للإنسان مما لو قابل الإساءة بالإساءة، وكم من «تطويف» لأمر أو قول فيه لبس أو مداخل مختلفة قد حَفِظ المودّة بين الناس وقطع طريق الشر من بدايته، وكم من سكوت كان أبلغ من كل كلمات العتاب أو اللوم أو «تطليع الحَرّة»!

من الملاحظ على المشهد العام أنّ البعض أصبح يُعاني من حساسية مفرطة تجاه أي شيء يقرأه أو يسمعه وفيه ذكر اسم بلده، هذه الحساسية أصبحت عبئاً على المجتمع، لأنّها تُقدّم سوء الظن في الآخر وتخلق عداوات لا داعي لها وليس هذا أوانها أصلاً، فإنْ ذكر ذلك الشخص معلومة مُجردة أو كانت مُحالة إلى مصدرها الرسمي أتت التعليقات بأنّه كاره أو حاسد أو يخدم أجندات خفية، بل وصل ببعضنا هداه الله أن استشاط غضباً لتهنئة أحد المشاهير لبلدنا، وتم تحميل الجُملة التي ذكرها مالا تحتمل، وتم اعتبارها «نغزة» مُبطّنة ومحاولة تشويه دور شباب البلد، رغم أنني شخصياً لم أجد فيها أيّ أمرٍ يستدعي ذلك الغضب الذي استدعى دخول سيل جارف من الشباب ليكيلوا مزيداً من الهجوم على تلك الشخصية ويخرج بعضهم أصلحه الله عن حدود اللباقة في الحديث.

حقيقة لا أدري ما الحكمة من استعداء الآخرين وتضييق المعاني التي تحتمل السعة لكي نُخرِج هذا الشخص أو ذاك وكأنه يتعرّض لنا بالإساءة، إنّ تقديم سوء الظن ليس من مبادئ ديننا السمح ولا من قيم مجتمعنا السامية، والمسارعة للتهجّم دون تروّ تكون تبعاتها سيئة، أهم هذه التبعات أن يُوصَم مجتمعنا بالعدوانية أو أن تُعمّم سلاطة ألسنة البعض أو كلماتهم الشرسة على كافة أفراده، وتسوء الحالة عندما يكون لذلك المشهور ملايين المتابعين الذين سيرى أغلبهم بأنّ تلك الإساءة توجّه له شخصياً بالتبعية!

لا نختلف أنّ من أساء لنا صراحة فلا بد أن ينبري له أحد لنقض إساءته ودحضها بالحجة المقرونة بأسلوب الرد المتزن والمحترم، فالحق قويٌ بذاته ولا يحتاج لتطاول أو تجريح حتى يتّضح، بل العكس هو ما يحصل، فالكلام السييء تشمئز منه القلوب ولوكان يدافع عن حقيقة سليمة، فما بالك بمن أساء الرد على «تهنئة» وليس قدحاً، نحتاج لأن نتنافس في حُسن القول وجمال الرد وأن نُقدّم حسن الظن دوماً ما دام إليه سبيلا، وأن نجمع القلوب حولنا بطيب حديثنا، فلا يتعمّد اختلاق العداوات وكسبها عاقل!

على جانب موازٍ أيضاً، يثير الاستغراب أننا ما زلنا نُعاني في التفرقة بين اختلافنا مع الشخص لسلوك معين يمارسه أو عملٍ يقوم به، وبين خلافنا معه كشخص، فالمفروض منطقياً وأخلاقياً ودينياً أن يكون محور الخلاف في ذلك السلوك أو ذلك العمل، أمّا الشخص فمن حقه أن نحترمه ككيان دون إساءات تطال شخصه، فسيد الخلق صلى الله عليه وسلم كان يقول: «ما بالُ أقوامٍ يفعلون كذا وكذا»، فينتقد السلوك ولا يذكر أسماء الأشخاص، فانتقاد السلوك تقويم وانتقاد الشخص تجريح وبين الاثنين بَونٌ شاسع!

لذا كان مؤلماً ولا يمثلنا أولاً كمسلمين يدينون بدين الخير والسماحة، وثانياً كعرب تنضح الكتب بمروءتهم ونُبل أخلاقهم و ثالثاً كأبناء زايد الذي نتأسى بِسَمْتِه وسِماته، أنْ نرى سخرية تطال أحد إخوتنا الذي استقال من منصب معين لم يُحقّق فيه النجاح المطلوب، والنجاح والإخفاق أمور تحدث على الدوام ولا يُعقَل أن يكون هناك إنسان يتمنى الفشل، وعندما لا نرى كامل تفاصيل الصورة لا يصح أن نُعطي أحكاماً قطعية بفشل شخص أو نجاحه دون أن نعرف حقيقة موقفه والتحديات التي كانت تعترضه والمعوقات التي لم يكن قادراً على تلافيها، ولا يصح أن تطال شخصه إساءات وسخرية لا نرضاها لأنفسنا، نعم نختلف معه على نتائج عمله، لكننا نحفظ له مكانته واحترامه كإنسان واجتهاده كمواطن مسؤول حاول ولم يوفَّق.

الانتصار للوطن ليس شرطاً أن يكون بالشدّة، وتصويب جوانب القصور لا يكون بالسخرية، ورُبَّ كلمة طيبة وأَدَت شرّاً قبل أن يولَد، وما دام في الأمر متّسع فلنُقدّم حسن النوايا ولنوجد المعاذير للآخرين، فلئن نُبقي ذلك الإنسان كصديق خيرٌ مِن أن نكسبه كعدو، ولنتوقّف عند أحد حُلماء أمّتنا العظام وهو سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وهو يقول: «إنّي لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أنّ بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، كانوا إذا شدّوها أرخيتها، وإذا أرخوها شددتها».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

شعرة معاوية شعرة معاوية



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 19:05 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة
 صوت الإمارات - تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول

GMT 12:24 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

منصور بن زايد يبحث العلاقات مع كازاخستان

GMT 13:38 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محاكم دبي تعرض خدماتها الذكية في مؤتمر دولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates