قصاصات الجريدة

قصاصات الجريدة

قصاصات الجريدة

 صوت الإمارات -

قصاصات الجريدة

عوض بن حاسوم الدرمكي
بقلم - عوض بن حاسوم الدرمكي

عندما تأذت ممالك الصين من هجمات قبائل شيونغنو الشمالية قرر إمبراطورها بناء سورٍ عظيم يفصل بين بلاده وسهول تلك القبائل الهمجية في قرابة عام 250 ق م، وتوالى مدّ السور بتعاقب الحكام والملوك حتى بلغ طوله القديم في حقبة أسرة مينغ الملكية 6700 كيلومتر، شارك في بنائه أكثر من 300 ألف إنسان، وفي الواقع لم يكن مجرد سور بل كان مشروعاً دفاعياً متكاملاً به الأسوار العالية وأبراج المراقبة وثكنات الجنود ومنصات الإنذار والممرات الاستراتيجية ويُرابط فيه حوالي مليون جندي!

المضحك المبكي في أمر السور ليس أكذوبة أنّه يمكن رؤيته من الفضاء ولا أنّه بُني لصد هجمات المغول لكونه ببساطة بُني قبل وجودهم بثمانية قرون كاملة، ولكن المضحك أنّ ذلك السور لم يوقف الهجمات التي تم إنشاؤه لصدّها، بل تم اختراقه بثلاث غزوات مدمرة، والسبب ببساطة أنّ الغُزاة لم يحتاجوا إلا لعملاتٍ ذهبية قليلة لرشوة الحُرّاس للسماح لهم بالعبور من البوابات!

انشغل الصينيون ببناء الجدران ورصف الحجارة وتعلية الأسوار، وأنفقوا الثروات الباهظة لجعل تلك الجدران صلدةً وعصيّة على من يُناطحها أو يحاول تسلّقها، لكنهم نسوا بناء الإنسان وحسن اختياره، فلم يَحْتَج العدو إلا لنقودٍ يسيرة لكي يشتري الضمير الهش لأولئك الحرّاس وينشر الخراب والدمار مرّاتٍ ومرّات!

لا يستقيم الظلّ والعود أعوج كما يُقال، ولن يهتدي الـمُرْتَحِل إنْ كان دليله أجهل من الجهل نفسه، ولن يتماسك كيان بشري كَبُرَ حجمه أم صَغُر إن كان به عناصر مؤذية تسحب ذلك الكيان للخلف وتعمل على تمزيقه بدلاً مِن شَدّ لُحْمَتِه، وما لم يبادر الإنسان إلى «فَلْتَرَة» ما أمامه ومَن أمامه ليعرف من يرفعه ومن لا يزيده إلا تراجعاً وإلا فإن كل جهوده ستذهب أدراج الرياح، لأنه مهما أشعل من نار كان هناك من يُطفئها ومهما بَذَر من محصول فهناك من يعيث به فساداً!

من بديهيات الحياة التي فُطِر البشر عليها أن كل هدفٍ يحتاج لتخطيط ثم تنفيذ، لكنّ التخطيط الجيد دون أدواتٍ سليمة تقوم بتنفيذه لن يؤتي ثماره، فالبشر أصناف وقدرات وبعضهم تدفعه الأهواء الشخصية، فالجيد فقط والمحب للكيان وسليم النيّة هو من سيكون عوناً فعّالاً لتنفيذ المطلوب وصولاً لغايات الكيان وأهدافه، لكن العناصر المغلوطة أو معدومة القدرة أو سيئّة النيّة لا تعدو أن تكون نفايات لا بد من إبعادها من الطريق حتى لا تؤذي الآخرين !

النفايات هي هي في كل جوانب الحياة، فالنباتات الضارة لابد أن تُزال من الحقل إنْ كانت النية بموسم حصاد وفير، والحشرات والهوام لا بد من التخلّص منها من أجل بيئةٍ صحية، وكذلك البشر الضّارون لا بد مِن إبعادهم عن الطريق حتى لا يؤثرون سلباً على غيرهم ممن يعمل، وليس القصد حرمانهم من الفرص، ولكن إنْ أهدروا جميع ما أُتيح لهم فلا يستحقون أن يأخذوا نصيب غيرهم مِن الـمُجدّين، فالزمن لن يقف لك حتى يفهم من لا يريد الفهم، والزمن لن يبني لك في أُخريات عُمره ضمير من لم تقم أنت أو أسرتك ببنائه جيداً منذ الصغر.

«الفَلْتَرَة» أو التمحيص أمرٌ مهم لتعرف ما هي الأدوات التي تستطيع أن تنهض بك وتساعدك لجعل غَدِكَ أجمل من حاضرك، فالسييء لن يُغيّر سوءه المديح الكاذب، والرديء لن تخفي رداءته في عين كل عاقل، والأمر الأكثر أهمية هنا أن ترك السييء أو منحه المزيد من الفرص سيعود بأثر نفسي شديد السلبية على الآخرين وتفتح عليهم أبواب تساؤلات كان الأولى ألا تظهر أصلاً.

لو اهتم الصينيون ببناء الإنسان لما احتاجوا إلى بناء سور أصلاً لكي يرد عدوان قبائل متناثرة، ولو نبذوا «النفايات» بعيداً ولم يأتمنوا على حياتهم حراساً «رِخَاصاً» لَمَا مرّ الغُزاة آمنين من بواباتهم، هي عُملة من وجهين، الأول يستلزم الاجتهاد في بناء الفرد منذ نعومة أظفاره على الخير، والآخر يتطلب تنقية الأرض من كل فردٍ سييء لا يضيف لها إلا الشر.

نشر الكاتب البرازيلي باولو كويلو قصة قصيرة في ذات السياق مفادها أنّ أباً كان يحاول أن يقرأ الجريدة، ولكن ابنه الصغير لم يكف عن مضايقته ومقاطعته، وحين تَعِبَ الأب من ابنه قام بقطع ورقة في الصحيفة كانت تحوي على خريطة العالم ومزّقها إلى قطعٍ صغيرة وقدّمها لابنه وطلب منه إعادة تجميع الخريطة ثم عاد لقراءة جريدته، ظانّاً أنّ الطفل سيبقى مشغولاً بقية اليوم بتجميع الصورة الممزقة، إلا أنه لم تمر خمس عشرة دقيقة حتى عاد الابن إليه وقد أعاد ترتيب الخريطة! هنا بادره الأب المذهول متسائلاً: «هل كانت أمك تعلمك الجغرافيا؟!)، فرد الطفل قائلاً:»لا، ولكن كانت هناك صورة لإنسان على الوجه الآخر من الورقة، وعندما أعدت بناء الإنسان، أعدت بناء العالم) !

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قصاصات الجريدة قصاصات الجريدة



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 19:05 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة
 صوت الإمارات - تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول

GMT 12:24 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

منصور بن زايد يبحث العلاقات مع كازاخستان

GMT 13:38 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محاكم دبي تعرض خدماتها الذكية في مؤتمر دولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates