علمتني قرطبة

علمتني قرطبة

علمتني قرطبة

 صوت الإمارات -

علمتني قرطبة

عوض بن حاسوم الدرمكي
بقلم -عوض بن حاسوم الدرمكي

تمتد أمامي الحجارة المرصوفة للقنطرة الرومانية فوق نهر الوادي الكبير وفي مواجهتي يقف شامخاً الجامع العظيم بينما على اليسار تنتصب الناعورة الشهيرة التي كانت ترفع الماء لريّ القصر الأموي المجاور، تتزاحم من حولي وجوه السيّاح وهم لا يتركون زُقاقاً ضيّقاً إلا ويسلكونه، فهم يشعرون أن به روحاً تحاول التماس من يأخذ بيدها بعد قرون طويلة من طمس الهوية وتكميم الأفواه، تشدّني رائحة عطرة لغابة أشجار النارنج في باحة الجامع، في داخله تشعر بالغثيان وأنت ترى ما فعله فرناندو الثالث عام 633هـ ومن أتى بعده لمحاولة سلخ الجامع من هويته الإسلامية، فتماثيل القديسين والصلبان ورسومات الكنيسة وُضِعت قسراً فوق القباب والأقواس والنقوش الإسلامية، الطريف أن لا أحد يقف عندها، فالجميع يزدحم بشكل غير معقول أمام المحراب العظيم الذي لم يُمَس ولله الحمد !

"سوف تمر هذه العاصفة"، مقولة سائرة تداولها أهالي قرطبة القديمة على أمل أن تنقشع عنهم الغمامة وينزاح الكرب، لم يُصدّقوا أن يغدر بها بعض أبنائها الناقمين على أمير المدينة فيدلّوا فرسان قشتالة على ثغرات سورها الشرقي، أي دناءة قد تصل بالبعض لكي يُقدّم مصالحه ومطامعه الشخصية الضيقة على حساب الوطن وسلامة من به، عندما بدأ القتل في الربض الشرقي وتدافع الناس لداخل المدينة وأُقفِلَت الأبواب استنجدت قرطبة بابن هود وكان يتقمّص دور سيّد الأندلس ولكنه لم يكن إلا من يصدق فيه قول الشاعر:

أسماء مملكةٍ في غير موضعها

                             كالهِرِّ يحكي انتفاخاً صولةَ الأسدِ

فرغم أن من يحاصر قرطبة لم يكونوا يتعدّون المائتين من فرسان قشتالة بقيادة فرناندو الثالث بينما ابن هود يملك جيشاً يزيد عن الخمسة والثلاثين ألفاً قادرين على سحق تلك الفئة الصغيرة في غمضة عين إلا أنّ الشخصية الضعيفة لا تنفعها الأعداد الكبيرة، ولم يكذب نابليون بونابرت عندما قال : "جبانٌ في جيشي أشدّ علي من عشرة شجعان في جيش العدو" فكيف إذا كان ذاك الجبان هو قائد الجيش نفسه!

كان ابن هود يحوي في جيشه فرقة من المرتزقة قوامها مائتان من الفرسان القشتاليين، وعندما اقترب من قرطبة واستبشر به الناس خيراً، ارتكب خطأ كارثياً بإرساله لكبير الفرسان المرتزقة لإبلاغه بحجم جيش ملك قشتالة، تخيّلوا، ذهب هذا الفارس واجتمع بفرناندو الذي هو زعيمه الحقيقي واتّفق معه على خطة لإسقاط المدينة، فعاد لابن هود وأخبره أنّ فرناندو يملك جيشاً هائلاً لا يمكن هزيمته، فتركها مذعورة تواجه مصيرها المؤلم، لتستسلم شريطة أن يخرج منها كل أهلها !

 

يقول شاعر إسبانيا الشهير أنتونيو ماتشادو: "إنّ مياه نهر الوادي الكبير تتحوّل إلى دموع عندما تمر بقرطبة"،لم يُبالغ في ذلك، فحيثما ذهبتَ ستنسلُّ رغماً عنك مشاعر حُزن قاتلة وأنت تتجوّل في طرقاتها وأحيائها العتيقة، مَن قال أنّ البيوت السعيدة لا صوت لها، بل الحزينة المكسورة هي التي لا صوت لها سوى بكاء محموم يختنق داخل الأضلع، هي لا تلوم أعداءها على ما فعلوا بها من فظائع، ولكنها تلوم من خذلها وتركها وحيدة تواجه الذئاب المسعورة الذين لم يتحملوا حتى نقوش جدرانها فعمدوا لتشويهها!

علمتني قرطبة أنّ الخير لا بد أن تسنده قوة وإلا ذهب لقمة سائغة لأرباب الشر، ألم تكن مشكاة النور والعلم التي اقتبس منها خصومها فلما اضاؤوا شموعهم أطفأوها وتركوها لليل حزين قاتم، هو التوجيه الرباني للردع: "وليجدوا فيكم غِلظة" فمَن لا يُرْهَب يتجرأ عليه حتى الأنذال!

علمتني قرطبة أنّ الأمم العظيمة لا يسقطها أعداء الخارج ولكن يغتالها دون أن تشعر خونة الداخل، فهم كالسرطان الذي ينخر في أوصال الجسم حتى ينهكه ويسقطه، نراهم هذه الأيام في أوضح صورة فحذاري منهم قبل أن يجعلوا كل مُدننا قرطبة!

علمتني قرطبة أنّ اختلال النسيج المجتمعي نذير كل شر، وأنّ السماح لصغار العقول بالعبث به بإثارة نعرات طائفية أو تعمّد استفزاز عقيدة وقيم مَن به هي بوابة الجحيم التي ما أن تُفْتَح إلا وكاد يستحيل إغلاقها، تحضرني هنا الحكمة الهندية القديمة التي تقول: "إنّ مَن يدعو أعمى يستقبل ضيفين"، كذلك بدأ الأمر في قرطبة، فبدأت العصبية بين المضريّة والقيسية وبين اليمانية وأصبحت عداءً دموياً ارتكبت بسببه مآس بينهم، ثم قامت النُفرَة بين العرب مِن جهة والبربر من جهة أخرى وتحول الصراع إلى جُرحٍ غائر أنهك البلاد وأضعفها بينما كان الأعداء في قشتالة وليون ونافار يستولون على الـمُدُن الأندلسية الواحدة تلو الأخرى.

علمتني قرطبة أنّ من ضيّع بلاده لا ينجبر كسره ولا تنتهي غُصّته، فحيثما رحل فهو مُشرَّد وحيثما حَلَّ فهو غريب، فمن يُفرّط في أرضه لا تكاد تقبله أرضُ أخرى فوقها، لأنها تكاد تشم في خطوات أقدامه وأنفاسه بقايا الخذلان والجُبن والخيانة، ما أسوأ أن تُتْرَك الأوطان الغالية دون أن تُراقَ عليها آخر قطرة دم لآخر رجل يبقى فوقها، كفى قرطبة بؤساً أن لا يبقَ في عيون الناس منها سوى آثارٍ للتصوير، ولا يفطن أحدٌ لذاك الظمأ المزمن لوجوهٍ وأصواتٍ رحلت عنها ذات ليل حزين وتركتها قرباناً للغزاة!

كما سقطت قرطبة وأشبيلية وغرناطة وطليطلة كادت أن تسقط حواضر أخرى للعرب في هذا العصر، فبغداد ودمشق وبيروت يفتخر ساسة إيران بأنّها أصبحت تحت احتلالهم، وصنعاء لولا وقفة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وإلا لكانت لَحِقَت برفيقاتها، فكما خان مَن سبق خان علي صالح والحوثي وحزب الإصلاح لبيع اليمن في سوق نخاسة المجوس، فصدّهم الرجال كما يفعل أفذاذ الرجال، وليت مَن سَمِع استغاثة قرطبة كان سلماناً وأبا خالد، إذن لكان الحال غير الحال ولكن الأيام ليست كريمةً على الدوام.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

علمتني قرطبة علمتني قرطبة



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 19:05 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة
 صوت الإمارات - تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول

GMT 12:24 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

منصور بن زايد يبحث العلاقات مع كازاخستان

GMT 13:38 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محاكم دبي تعرض خدماتها الذكية في مؤتمر دولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates