بقلم : علي أبو الريش
سؤال طرحه الفيلسوف الألماني في القرن الثامن عشر، وعاد وطرحه ميشيل فوكو في القرن الواحد والعشرين، ولا يزال هذا السؤال معلقاً على شجرة التاريخ، مجرداً من أوراقه الثبوتية، كون التقدم تشوبه أشواك لغط وشطط، وعلى الرغم من التقدم العلمي المبهر، والسرعة الصاروخية التي تمر بها تكنولوجيا العقل الجبار، فإن ما نعاصره من نكبات وكبوات، أصبح العقل نفسه جوادها الجامح الذي يقود عربتها إلى التضخم والتورم والتأزم والانحطاط أحياناً، يجعلنا نعيد السؤال نفسه، هل التقدم ممكن؟ حقيقة عندما تصبح الذات البشرية، أسيرة معطيات تاريخية وثقافية وعقائدية فجة وغير مريحة، فإن التفاؤل يصبح مثل محاولة الأعمى أن يفسر لون الضوء على بقعة سوداء. هي في الأساس محاولة تخمينية لا تقوم على منطق علمي، ولا على أساس تكوين بيولوجي، يساعد على فهم ما يجري في الواقع.
قراءة للعبث البشري في الحضارة التي تمتد جذورها إلى قرون ما قبل الميلاد، يؤشر إلى أن العالم كي يرى النور الحقيقي، فهو بحاجة إلى التخلص من الكثير من العميان، الذين يقودون العالم إلى الكهوف، والذين يسحبون العربة إلى الوراء، والذين يغسلون عيونهم بزيت الراتنج، والذين يصرون على أن الشمس تشرق من الغرب، والذين يعتنون بالذاكرة الفردية، بصرف النظر عما يكتنفها من غشاوة، لازمتها عبر تاريخ من الأزمات الثقافية، والذين يحسنون الهرولة إلى الخلف. فعندما يحدث وأن يبرز من بين ظهرانينا كائنات بشرية، لا زالت تُمارس الحِنث ضد الدين وضد الجنس البشري، وكينونة التطور الإنساني على مر العصور، ولا زالت تتصور هذه الجماعات أن الحياة خلقت من لون واحد، وثوبها العتيق هو القناع الذي من خلاله تقوم بكل أعمالها الفظيعة والمريعة والمفرغة، ضد كل من يحاول أن ينظر إلى الشمس، من دون قناع واقٍ من الضوء. عندما يمر من طريقنا فريق من البشر، وهو يقتني أحافير زمنية لم يعد لها قيمة في حياتنا، فإنه من الصعب تصور مجتمع بشري يستطيع أن يذهب إلى الأمام، من دون أن يتعثر بالركام، لذلك كي يتحقق التقدم لابد أولاً تنظيف الفناء العالمي من نفايات التاريخ، وطفيليات المناطق المهجورة، والأضراس التالفة، لأنها مؤلمة للتقدم، ومؤذية لأي كائن يريد أن ينظر إلى لون الوردة، أو يشاهد كيف يداعب النهر أشجاره.
المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع
نقلا عن الاتحاد