المشهد السوداني ورسائل هجوم عطبرة

المشهد السوداني ورسائل هجوم عطبرة

المشهد السوداني ورسائل هجوم عطبرة

 صوت الإمارات -

المشهد السوداني ورسائل هجوم عطبرة

عثمان ميرغني
بقلم - عثمان ميرغني

من الأمور البديهية أنه كلما طال أمد الحرب زادت تعقيداتها. والآن ونحن على أعتاب دخول السنة الثانية من الحرب في السودان، فإن قراءة المشهد توضح حجم هذه التعقيدات وتشابكاتها؛ بما ينبئ بأن المرحلة المقبلة ستكون أصعب، والشواهد كثيرة.

الهجوم بالمسيّرة الانتحارية الذي استهدف، مساء أول من أمس، مدينة عطبرة بولاية نهر النيل في شمال السودان، أحد هذه الشواهد، ويحمل أكثر من رسالة؛ الأولى محاولة توسيع دائرة الحرب بنقلها شمالاً، ولو عبر عمليات كهذه هدفها النفسي أكبر من مردودها العسكري؛ فـ«قوات الدعم السريع» ظلَّت تتوعد في كثير من التصريحات والفيديوهات، وعلى مدى أشهر، بنقل الحرب إلى مناطق أهل الشمال وبشكل خاص مدن شندي وعطبرة. من هذا المنطلق، فإن الهجوم ليس بالأمر المفاجئ، وإن كان يبقى تطوراً خطيراً.

الرسالة الثانية أن حرب المسيّرات تجعل توسيع رقعة الحرب، بتكرار مثل هذه العمليات، أمراً وارداً، لا سيما مع وجود خلايا نائمة ومتسللين، في ظل عمليات النزوح التي حدثت بسبب الحرب. فقبل هذه العملية كانت هناك جهات عدة تحذر منذ أشهر من خلايا نائمة في عدد من المدن، منها عطبرة، رغم أن السلطات الأمنية فرضت إجراءات أمنية، إلا أنها قد تحتاج إلى المزيد لسد الثغرات، وهو ما ينطبق أيضاً على المدن والولايات الأخرى في ظل هذه الظروف.

الرسالة الثالثة، وهي ربما الأهم، أن الهجوم الذي نُفّذ بمسيّرة انتحارية استهدف «كتيبة البراء»، إحدى أبرز كتائب الإسلاميين، التي دعت لحفل الإفطار الجماعي. ويبقى ضمن الاحتمالات أن الهجوم ربما كان يستهدف اغتيال قائد هذه الكتيبة المصباح أبو زيد الذي صعد اسمه وأصبح وجهاً معروفاً لكثيرين إبان هذه الحرب، بل منذ اليوم الأول لاندلاعها. وكانت مناسبة الإفطار الجماعي المعلَن فرصة سانحة لوجود عدد من منسوبي الكتيبة ومن الإسلاميين فيها، إضافة إلى عدد من ضباط القوات المسلحة ومسؤولي الولاية المدعوين، إلى جانب مواطنين عاديين لا علاقة لهم بهذه الكتيبة، وهذا أمر معروف في عادات السودانيين التي تفصل الأمور الاجتماعية عن المسائل السياسية.

بعد هذا الهجوم، ربما تعيد «كتيبة البراء» النظر في سياسة الاهتمام بالظهور الإعلامي والمشاركات الكثيرة في المناسبات الاجتماعية التي يُروَّج لها في المنصات، وتعمد بدلاً من ذلك إلى الالتزام بالانضباط الذي يمارسه الجيش الذي تعمل تحت إمرته. وقد ظهرت انتقادات أمس إلى المصباح ذاته لنشره خريطة تظهر موقع الحفل وإحداثياته قبل وصوله، وهو أمر قد يتبعه الناس في ظروف عادية، لكن في مثل هذه الظروف الاستثنائية يعد هفوة أمنية تعرض حياة كثيرين للخطر.

حتى كتابة هذه المقال لم يكن قد صدر بيان رسمي مفصل عن الهجوم والجهة الفاعلة، لكن معظم أصابع الاتهام أشارت إلى «قوات الدعم السريع»، لأنها هددت، في مناسبات عدة، بنقل الحرب شمالاً، والعملية تخدم هذا الهدف. الأمر الآخر أن «قوات الدعم السريع» بات لديها ثأر مع «كتيبة البراء» التي ظهرت في كثير من الهجمات على مواقعها، واستهداف مناسبة يحضرها قائد الكتيبة وعدد من منسوبيها يحقق لها نصراً إعلامياً من ثلاث زوايا؛ الأولى أنها وجَّهت ضربة لهذه الكتيبة، والثانية أن الهجوم كان في عطبرة بمعنى وصول يد «الدعم السريع» إلى هدف كبير في الشمال، ومركز عسكري مهم، والثالثة الترويج لما تردده دعايات «قوات الدعم السريع» بأن حربها هي ضد الكيزان والفلول وكتائبهم.

إضافة إلى ما سبق، فإن الهجوم لا يمكن فصله أيضاً عن الحملة الواسعة التي سبقته وحاولت الترويج لكلام عن دخول «داعش» وجماعات «جهادية» أخرى في الحرب والمشاركة في القتال، وهي حملة هدفها تشويه صورة الجيش السوداني، وكذلك التشكيك في المقاومة الشعبية التي انطلقت في كثير من أرجاء البلاد للمشاركة في المجهود الحربي وحماية الناس لمناطقهم وممتلكاتهم وأعراضهم. وكان لافتاً أن هذه الحملة ترافقت مع التقدم الميداني الكبير الذي حققه الجيش في العاصمة، وأكمل خلاله استعادة وتأمين معظم مناطق أم درمان، لينطلق بعدها نحو عمليات أخرى أوسع في الخرطوم وبحري، مع استعدادات واضحة لمعركة استعادة الجزيرة.

وضمن هذه الحملات حاولت بعض الأصوات أمس الترويج لمزاعم عن أن الجيش هو الذي نفذ الهجوم بالمسيّرة على تجمع الإفطار، وربط ذلك بتصريحات الرجل الثاني في قيادة الجيش، الفريق شمس الدين كباشي التي دعا فيها قبل أيام إلى ضرورة ضبط المقاومة الشعبية وإبعادها عن التسييس. هذه الأصوات تحاول الترويج أيضاً لكلام عن وجود خلافات في قيادة الجيش، لا سيما بين الفريق كباشي والفريق ياسر العطا مساعد القائد العام الذي تحدث بحماسة عن المقاومة الشعبية في كل خطاباته الأخيرة، وهي مقاومة يشارك فيها آلاف السودانيين من مختلف الانتماءات والخلفيات، خلافاً لمحاولة البعض تصويرها وكأنها كتائب من المتطرفين أو ذراع للإسلاميين. الحقيقة أنه ليس هناك ما يدل على وجود خلاف في صفوف قادة الجيش بشأن نفرة المقاومة الشعبية وأهميتها في مساندة الجيش بهذه الظروف، كما أنه لا خلاف حول أهمية وضرورة تنظيم هذه المقاومة، بحيث تكون تحت إمرة الجيش وتعمل وفق توجيهاته. فقادة الجيش أكدوا أنهم تعلموا الدرس، ولن يكون هناك أي سلاح مستقبلاً خارج سيطرة القوات المسلحة.

عملية المسيّرة الانتحارية تبقى محدودة الأثر من المنظور العسكري، لكنها، ومن واقع قراءة حملة التفسيرات والتأويلات التي سبقتها وأعقبتها، توضح أن الحرب النفسية والإعلامية تزداد شراسة، على أعتاب دخول السنة الثانية للحرب، وفي ظل التقارير عن أن الجيش يوسع مناطق سيطرته في العاصمة، ويستعد لمعركة استعادة ولاية الجزيرة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المشهد السوداني ورسائل هجوم عطبرة المشهد السوداني ورسائل هجوم عطبرة



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

سحر التراث المغربي يزين إطلالات النجمات في "أسبوع القفطان" بمراكش

مراكش - صوت الإمارات
شهدت مدينة مراكش أجواءً استثنائية من الفخامة والأناقة خلال فعاليات “أسبوع القفطان المغربي” في دورته السادسة والعشرين، والذي احتفى بجمال القفطان المغربي باعتباره أحد أبرز رموز التراث والأزياء التقليدية الراقية. وحرصت العديد من النجمات والإعلاميات العربيات على الظهور بإطلالات مستوحاة من روح القفطان المغربي الأصيل، بتصاميم مزجت بين الحرفية التقليدية واللمسات العصرية. وتألقت الفنانة غادة عبدالرازق بقفطان باللون الأخضر الزمردي تميز بتطريزات ذهبية كثيفة مستوحاة من الطابع التراثي المغربي، مع حزام مطرز أبرز أناقة التصميم، واختارت تنسيق أقراط مرصعة بأحجار الزمرد مع تسريحة شعر بسيطة على شكل ذيل حصان مرتفع. كما ظهرت مريم الأبيض بإطلالة مشرقة بقفطان أصفر لافت، جمع بين القماش الانسيابي والتفاصيل المعدنية اللامعة، وزُين ب...المزيد

GMT 13:28 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء حذرة خلال هذا الشهر

GMT 11:12 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

لا تكن لجوجاً في بعض الأمور

GMT 17:03 2018 الأربعاء ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

استقالة رئيس تلفزيون كوري بعد إهانة طفلته لسائقها الخاص

GMT 03:55 2020 الخميس ,16 تموز / يوليو

تسريحات شعر عروس منسدلة لصيف 2020

GMT 17:32 2018 الأربعاء ,11 تموز / يوليو

تعرّفي إلى إيطاليا "وجهة المشاهير" في شهر العسل

GMT 09:34 2017 الثلاثاء ,26 كانون الأول / ديسمبر

دار بتانة تصدر رواية "منام الظل" لمحسن يونس

GMT 22:52 2017 الثلاثاء ,05 كانون الأول / ديسمبر

الـ"فيفا" يسحب تنظيم مونديال 2022 من قطر بعد المقاطعة الخليجية

GMT 23:24 2016 السبت ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

معرض الشارقة يحتضن "قيمة الكتاب في الحضارة الإسلامية"

GMT 17:28 2016 السبت ,08 تشرين الأول / أكتوبر

طريقة عمل المسخن الفلسطيني

GMT 09:32 2017 السبت ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

زلزال بقوة 6.7 درجة يضرب جنوب وسط الصين
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates