بقلم:أمينة خيري
أشرت فى المقال السابق ضمن سلسلة «جددنا الخطاب؟» أن الوحش الجارى تربيته ورعايته وتسمينه فى حديقة الوطن الخلفية ستضيق به الحديقة، إن لم يكن اليوم فغداً، وإنه حين ينتقل من الحديقة الخلفية ليرتع فى ربوع البيت، ستكون له الكلمة العليا، وسيكون الآمر الناهى لكل من فى البيت، بمن فى ذلك من ظنوا أنه سيظل ملتزماً الحديقة الخلفية إلى أن يقرروا مصيره، إذ سيقرر هو مصيرهم، ومصيرنا.
الأحداث والحوادث والظواهر والمظاهر المنذرة التى تدق طبولها من حولنا على مدار السنوات السابقة، وبشكل مكثف فى الأشهر القليلة الماضية، ليست أمارات تقوى وإيمان ومزيد من الالتزام فقط. وهى ليست فقط ردود فعل موثقة فى الدراسات للإحباط والقلق والخوف، سواء الناتج عن أوضاع داخلية، أو جراء التعرض لهذا الكم المذهل من الحروب والصراعات التى تدور حولنا فقط. كما أنها ليست كلها بحث عن هوية، وتشبث بانتماء ما فقط.
أقول «فقط» لأن البعض يتجه إلى المزيد من التدين بدرجاته بين الوسطى والمتطرف أو المتشدد، أو مظاهر الدين، بحثاً عن ملاذ أو أملاً فى راحة وطمأنينة أو طلباً لانتماء وهوية يشعر أنها مفقودة، لا سيما فى زمن الأزمات. لكن البعض الآخر ينجرف فى تيارات فكرية أو مظهرية لأسباب شتى، منها على سبيل المثال لا الحصر، «الزن على الودان» إذ يجد نفسه محاصراً بشكل مباشر وغير مباشر بثقافة أو خطاب أو توجيه أو مكون مناهج أو توجه تعليم أو إعلام أو مؤسسات، وبالطبع محتوى سوشيال رقمى وسوشيال ميديا، تعتنق فكراً أو توجهاً ما.
ولأن الانجراف فى تيار التشدد يحدث بتبنى الفرد أو الجماعة معتقدات، سواء سياسية أو اجتماعية أو دينية متطرفة، ثم يبدأ دون أن يدرى فى توريثها لصغاره ونشرها فى محيطه، بشكل تدريجى مثل اكتساب الشخص بضع جرامات فى الوزن على مدار شهور، فيفوت على المحيطين ملاحظة ذلك، حتى يكتشف أحدهم فجأة التغير الكبير الذى طرأ عليه، لكن بعد فوات الأوان.
التدرج يبدأ بحديث ودى لطيف، ثم دق على وتر «الدين بيضيع» وتحميل الفرد أو الأفراد مسؤولية ضياع، يتبعه تحذير وتخويف وترويع من العقاب والنار والعذاب والمقت والغضب والزلازل والبراكين، ثم يأتى دور المطالبة باعتناق النسخة المرادة من الأيديولوجيا أو الدين أو التوجه باعتبارها وحدها الحقيقة وضامنة النجاة، وهلم جرا وصولاً إلى مراحل تبنى العنف لنشر الفكرة، وتحقيق المراد، مراد الجماعة أو التيار، لا الوطن أو المجتمع.
التعرض المتكرر يؤدى غالباً إلى قبول الفرد للفكرة، ثم اعتناقه لها، ثم اعتقاده أنه بهذا قد بدأ طريق الخلاص، وبعدها يبدأ فى نشر «الخير» عبر محاولة إقناع، ثم إجبار الأهل والأحباب، للسير فى الطريق نفسه. وتتضخم كرة الثلج، فتتحول المجموعة المتطرفة إلى القاعدة العريضة فى المجتمع، ويتحول التطرف إلى أسلوب حياة متوارث ومتناقل، وغير قابل للنقاش أو المراجعة، وللحديث بقية.