بقلم:أمينة خيري
الأشخاص غير المعتادين على التفكير النقدى كأسلوب حياة غالباً يتلقون محتوى وإجابات الذكاء الاصطناعى وما يعرضه عليهم من أفكار بناء على خوارزميات تناسب أهواءهم وتوجهاتهم، باعتبارها حقائق ثابتة مطلقة لا ريب فيها، فلا يخضعونها لمساءلة أو مراجعة أو تدقيق، وليس من المستبعد أبداً أن نجد من يضع صور أيقونة الذكاء الاصطناعى على الميكروباصات والتكاتك وباصات النقل العام باعتبارها مقدساً من المقدسات غير قابلة للمساس.
ماذا يحدث حين يستخدم شخص لم يُرب أو يُدرَب أو يعتاد التفكير النقدى، ونشأ على قبول ما يقدمه له الآخرون باعتباره الحقيقة المطلقة، فيما يختص بكل كبيرة وصغيرة فى حياته؟ ما يحدث هو قبول مطلق بكل مخرجات الذكاء الاصطناعى، وعدم ورود احتمال الخطأ أو التحيز أو التضليل أو التوجيه، وهو ما يدفع الشخص إلى مزيد من التخلى عن الجهد الذهنى – الذى تم تسليم أغلبه من قبل لوكلاء التفكير والتوجيه – فتتضاءل قدرات التحليل والمنطق تاركاً إياها للذكاء الاصطناعى.
ما نعرفه حتى الآن عن استخدام المصريين للذكاء الاصطناعى لا يخرج عن إطار روبوتات المحادثة، وتطوير البرمجيات والتطبيقات والأكواد، وبعض الخدمات الحكومية لا سيما الصحية، وصناعة المحتوى، ومنه بالطبع الصالح والطالح، والوهمى والحقيقى وبين البينين.
كما أن أخبار الذكاء الاصطناعى تتواتر بشكل يومى، لكن أغلبها أيضاً يدور حول فعاليات تعقد لمناقشة الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعى فى البحث العلمى وكتابة الأوراق والأبحاث، أو إتاحة أدوات إضافية لطلاب الجامعات، أو مسابقات أو خدمات لتطوير استخدامات الذكاء الاصطناعى فى الشركات الناشئة وريادة الأعمال أو الألعاب أو ما شابه.
كل ما سبق رائع وعظيم، ولكنه لا يكتمل أو يستوى دون مكون بالغ الأهمية، ألا وهو فهم قدرة الذكاء الاصطناعى – غير القابلة للحجب أو الإلغاء أو التكفير- على صناعة وتوجيه وتغيير الوعى.
وأرى فى محتوى حديث خبير التحول الرقمى الدكتور زياد عبد التواب، فى الندوة التثقيفية قبل أيام، مربط الفرس الذى لا يقل أهمية عن فعاليات وإجراءات دمج الذكاء الاصطناعى فى التعليم والصحة والتموين والبترول والثقافة والإعلام والمال والأعمال، وإتاحة أدواته، وتدريب المستخدمين على التعامل معه، بل يفوقه ويزيد. كلمة السر تكمن فى التفكير النقدى باعتباره خط الدفاع الأول لمواجهة التضليل الرقمى، وأن خوارزميات الذكاء الاصطناعى تساهم فى خلق «فقاعات التصفية». والمقصود بها هو الانعزال المعرفى الذى يسيطر على المستخدم حين تتمكن منه الخوارزميات، فلا تعرض له سوى محتوى يطابق توجهاته ومعتقداته المسبقة، مع إخفاء التوجهات والآراء المختلفة، أو إبرازها باعتبارها أخطاراً داهمة، ومصادر تهديد عارمة.
خلاصة القول: من يستخدم الذكاء الاصطناعى وهو ابن نظام تعليم تلقينى قائم على اكتناز الدرجات، وسلم عقله لوكلاء التفكير والرعاة الرسميين لتقرير مصيره واتخاذ قراراته الحياتية، فقد خسر المعركة قبل بدايتها.
لن يقوى على محاربة الشائعات، والتدقيق فى المحتوى، وتحكيم العقل والمنطق فيما يقدمه الذكاء الاصطناعى من تربى فى كنف «ثقافة آمين».