بقلم:أمينة خيري
أحداث الشارع الصادمة، وحوادث المجتمع المفزعة، وتحوّل قطاع من المصريين من التسامح وسعة الأفق وخفة الظل وتقدير الاختلاف والتعايش السمح مع جنسيات وثقافات وأساليب حياة مختلفة، صوب الغلظة والانغلاق والسواد والقتامة، ورفْض كل مَن وما لا يتطابق بالمللى مع ما يرتدون، وما يرتضون، وما تم حشو أدمغتهم به باعتباره الحقيقة والصواب، وكل ما عداه كذب وضلال ومعصية هى أعراض للمرض، لا المرض نفسه.
عقود طويلة من الضغوط الاقتصادية، ومن ثم الاجتماعية، وتجريف كل ما يتعلق بالعلم والتعليم والثقافة والفن والإبداع والموسيقى والمسرح والفلسفة والمنطق والتسامح ورقى وذوق التعامل بغض النظر عن المستوى الاقتصادى، بل كان البسطاء أطيب قلباً وأرحب صدراً، وتضاف إليها إخفاقات سياسية، وفى القلب منها تفشى فساد بأحجام وأنواع من الإبرة للصاروخ، وغياب المساءلة باستثناء هوامش وقشور تسد الرمق ولا تشبع، تثير صخباً ولا تحل أو تربط أو تعالج الجذور، جميعها يتراكم وينفجر فى وجوهنا جميعاً تارة أعمال درامية تقول إنها تعكس الشارع من حيث تدنى الأفكار، وتارة شيوع فساد متناهى الصغر وتحوله إلى منظومة كاملة متكاملة، تحظى بالقبول المجتمعى باعتبارها أسلوب حياة مبررا بالفساد الأكبر.
قائمة الأعراض طويلة وتجدد نفسها على مدار الساعة، وتخرج بأشكال جديدة، منها ما يواكب العصر الرقمى، ومنها ما يسبقه، ومنها ما يندرج تحت بند الشطط الكامل. وهنا أذكر بضعة أمثلة على سبيل المثال لا الحصر.
الشاب الذى خلع مرآة حمام القطار وألقاها من النافذة «لأن سعر التذكرة مرتفع»، وسلسلة حوادث قيام طلاب فى المرحلتين الإعدادية والثانوية بإتلاف محتويات مدارسهم بعد انتهاء العام الدراسى على سبيل الاحتفال، والفتاة التى وقفت تبتسم بسخرية وتَحدٍّ بعد دهس شابة على الطريق، لقتل 4 من أفراد أسرته وأقاربه وإصابة نجله، والمهندس الذى حصل على أسلحة وطلقات نارية وذخيرة حية وأدوات حادة عبر «الدارك ويب»، وحديثه عن كيف أنه طلق زوجته على «الواتس آب»، والسيدة التى كادت تشعل مصر لأنها مصرة على الصلاة بين طاولات مطعم رغم وجود مسجد على مرمى عشرة أمتار، والمدرسة التى أعلنت عن الزى الرسمى للفتيات وهو نقاب وإدناء، وهو الزى الذى «تفرضه» مدارس كثيرة ولكن بدون «إعلان»، و«المرجعية» الدينية – لأن لديه لحية- الذى دخل محل حلاقة مطالباً بعدم تشغيل أغانٍ لأنها معاصى، وأنه جاء يغير المنكر كما أمره دينه، وهو للعمل نموذج متكرر وآخذ فى الانتشار من حولنا، ومنع طالبة من حضور تخرجها لأن فستانها أثار حفيظة أستاذ جامعى، فكشف جزءاً مما يجرى فى المجتمع دون إعلان وهو الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر بقرارات شخصية.. ولحديث القشور والهوامش بقية..
هل هى نتائج لتراكمات معقدة من الضغوط الاجتماعية، الاقتصادية، والبيئية التى غيرت من نمط التفاعلات اليومية؟!، فالشخصية المصرية التى عُرفت تاريخياً بالصبر والتبسط والدعابة، باتت تواجه تحديات معاصرة مكثفة أثرت على سلامتها النفسية وسلوكها الجمعى.