بقلم:أمينة خيري
فى المربع السكنى الذى أسكن فيه ثلاث مدارس. ومنذ يوم الأحد الماضى وأصوات أغنيات أكتوبر الوطنية الجميلة تصدح من على بعد. ألحان هذه الأغنيات أثبتت أنها تصلح لكل زمان، فلا هى قديمة جداً لا تطرب سوى كبار السن، ولا هى نغمة خبط ورزع واحدة ينساها السامع ما إن تنتهي. الأروع من ذلك أنه أثناء اليوم سمعت الطلاب والطالبات يرددون الأغنيات بأصواتهم على خلفية موسيقية مسجلة.
لست من أنصار أو محبى المبالغة فى الأغنيات الوطنية، أو اعتبارها بديل التربية التاريخية، والمعرفة الثقافية. بل هناك نوع من الأغنيات الوطنية التى يمكن تسميتها «الأغنيات المسلوقة» (مثل البيض المسلوق) يجرى تأليف كلماتها ولحنها فى قعدة واحدة، ثم ترديدها من قبل مطرب أو مطربة أو كورال ما فى ساعات معدودة ليتم ترديدها فى مناسبة ما، وأغلبها لا يعيش بعد انتهاء المناسبة بدقائق.
أما أغنيات نصر أكتوبر، فهى كما يقولون بالإنجليزية Timeless treasures أو جواهر خالدة، لا تموت أو تسقط بالتقادم.
بالطبع الأغنيات وحدها، مهما بلغت من روعة وجمال وقدرة على توصيل المعنى، ومهما برع مطربوها ومؤلفو كلماتها وملحنوها وموزوعها وعازفوها فى تقديمها لا تقوم وحدها بمهمة تعريف الأجيال الشابة والصغيرة بمناسباتهم الوطنية، لا سيما حين تكون المناسبة حرباً غيرت – وما زالت تغير- مصير ومسار منطقة بكاملها، ولا سيما حين تكون هذه الحرب، رغم مرور أكثر من خمسة عقود، شوكة فى حلق دول وقوى عدة، بعضها مصنف فى خانة الأصدقاء، والبعض الآخر معروفة نواياها ومعلنة تحيزاتها وانتماءاتها ومصالحها، بل إن هناك من يبذل قصارى الجهد بعد مرور كل هذه العقود لتعكير قيمة النصر العظيم، وحبذا تلطيخ ذكراه بذكرى أو ذكريات أخرى لعلها تتفوق عليه وتقلص من قيمته ومعناه.
منذ عام ٢٠١١، وذكرى نصر أكتوبر يكتسب فى كل عام أهمية إضافية، ويتضح أنه تسبب فى آلام عميقة وجروح غائرة لدى كثيرين. ومن بين «الكثيرين» جماعات تربت فى كنف جماعات إسلام سياسي، لا تربطها بالدولة إلا العداء والجحود والمنافسة، حتى ولو اضطرت أحياناً إلى مداهنتها وادعاء التضامن معها، لحين تتوافر الفرصة لمعاودة القفز على السلطة واستلاب الحكم.
خلاصة القول أن الاحتفاء بذكرى نصر أكتوبر آخذ فى اكتساب أشكال وأنواع متعددة من الأهمية، لا سيما للأجيال الأصغر التى لم تشهد أجواء حرب، أو تعرف معنى أن يكون الوطن كله مستنفراً وعلى قلب مواطن مصرى واحد. منذ ٢٠١١، والمنطقة حولنا فى حالة تغير متسارع، والقوى العالمية والمحلية تتصارع إما من أجل البقاء، أو من أجل إرساء دعائم جديدة، كل بحسب مصالحه وطموحه وأطماعه. ومنذ ٢٠١١، ونحن فى القلب من كل «جهود» الهدم وكذلك إعادة البناء، كل بحسب مصالحه. ومصلحتنا العليا تثقيف الصغار بما جرى ويجري، شرط الابتعاد عن الوعظ والإرشاد، والسرديات التى كانت تناسب عصرنا وعصر آبائنا وأجدادنا، وشهر أكتوبر خير مناسبة وفرصة.