بقلم:أمينة خيري
فى المقال السابق، دعوت المهتمين بفهم ما يجرى فى الشارع والأثير فيما يختص بالخطاب الدينى، المسيطر لا على الثقافة الدينية فقط، بل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى متابعة ما يدور على السوشيال ميديا، وكذلك التعليقات فى كل ما يتعلق بـ«هوامش» الدين.
رصد المكتوب، وتحليله، وتحديد الأولويات والمخزون الثقافى والمعرفى الذى تحمله الملايين، يمكِّن الراغبين فى فهم تركيبة نسبة غير قليلة منا، وهى التركيبة التى تتحكم فى الشارع، والمدرسة، والجامعة، والعمل، وأصبح تحكّمها يصل إلى من نجا بنفسه من أهوال النسخة الرائجة من التدين الشعبوى العامر بالمظاهر خالى الدسم. هى وسيلة سهلة للتعرف إلى الوحش الذى نربيه فى الحديقة الخلفية، دون أن يدرى بعضنا، وبعلم وتخطيط وتدبير من البعض الآخر.
«ليس الآن يا برنارد»، قصة أطفال صدرت عام ١٩٨٠ للكاتب والرسام البريطانى دافيد ماكاى، تحكى عن الطفل برنارد الذى يظل يحاول أن ينبه والديه المنشغلين دائماً إلى وجود وحش فى حديقة البيت، وتأتى إجابتهما مرة تلو الأخرى: ليس الآن يا برنارد، وذلك حتى يأكله الوحش ويحل محله دون أن يلحظا. ليس هذا فقط، بل يقوم الأب والأم بمعاملة الوحش وكأنه ابنهما بعد أن أكله.
وسأترك لخيال القارئ فهم المقصود.
أشرت إلى واقعتين أمس. الثانية، هى فيديو لطفلة تتسول من قائد سيارة، والذى بدوره يصورها بالمحمول. الطفلة التى لا يزيد عمرها على تسعة أعوام ترتدى تى شيرت يكشف «قفصها الصدرى»، ولكنها ترتدى حجاباً، والرجل يسألها عن أسباب تسولها، وهى تقول إنها تريد أن تأكل.
أغلب التعليقات تعاطفت مع الصغيرة، لكن نسبة معتبرة لم تر سوى قفصها الصدرى. «ستر الصغيرة أولوية دون شك، ولكن أصحاب التعليقات نسوا أو تناسوا هذه النقاط: وجود طفلة فى الشارع فى هذه السن وحدها، تسولها وما قد تتعرض له جراء ذلك، حرمان هذه الطفلة من السكن الآمن، والرعاية الصحية، وبالطبع التعليم، والأهل القادرين والراغبين فى تحمل مسؤوليتها، والبحث عمن اهتم بحجاب شعرها، وترك «قفصها الصدرى» مكشوفاً، واعتبروا شراء ملابس تستر القفص الصدرى الأولوية الوحيدة.
أما الواقعة الأولى، فهى الشاب «مدرس التاريخ» كما تم تعريفه، تاجر التيشيرتات «الإسلامية»، وفى قول آخر «الجهادية»، ولن أقول «إرهابية»، وإن كان الإرهاب لا يعنى بالضرورة تفجير الآخرين، ولكن تفجير فكر وثقافة المجتمعات وتجهيزها لتصبح قنابل موقوتة تنفجر وقت اللزوم.
لاحظوا تفاعلات الناس، ففيها الكثير من الفائدة لمن يرغب فى إنقاذ هذا الوطن. البعض اعترض، واعتبر العبارات المشيرة إلى دفع الجزية والقتال حتى الموت والسيوف والرماح والصواريخ المحمولة المطبوعة على التيشيرت (كمرحلة أولى على تتبعها مراحل فعلية لاحقاً) محرضة على العنف والفتنة، لكن آخرين، ومنهم مواقع محسوبة على جماعات دينية، ولولو على إلقاء «الدولة الظالمة» القبض على الشاب، يا ولداه، لمجرد أنه «ملتزم»، وطبع عبارات إيمانية وسطية جميلة على تيشيرتات، وللوحش الجارى تربيته فى الحديقة الخلفية بقية.