بقلم: فاطمة ناعوت
تعلّمنا فى كلية الهندسة أن المبنى لا يُرى بعينٍ واحدة. فهناك ثلاثُ عيون ترقبه: «عينُ النملة» التى تزحف عند قاعدته، و«عينُ الإنسان» الواقف على أرضه، و«عينُ الطائر» الُمحلّق فوقه. المبنى واحدٌ، لكن صورته تتبدل بتبدّل زوايا النظر. كل زاوية تكشف جانبًا، وتحجب جوانبَ أخرى، كأن «الحقيقةَ» بناءٌ واسعٌ لا تكفى نافذةٌ واحدة لرؤيته. ولم أكن أعرف، وأنا أدرس تلك المناظير، أن الحياة ستعيدُ إلىّ الدرسَ لا فى صورة مبنى من حجر وأسمنت، بل فى هيئة إنسانٍ من لحم ودم: ابنى الجميل «عمر». أراه كل يوم بعين الأم، أى «عين الإنسان». والآن، وهو يطير من أمامى بطائرة شراعية فوق سفح الهرم، تبدّلت زاوية نظرى لأراه بـ«عين النملة»، وأتأمله وهو يشاهد الأهرامات بـ«عين الطائر».
بالأمس، خُضتُ مع ابنى تجربة الطيران الشراعى فوق سفح الهرم، مع إحدى شركات الطيران المعروفة. سبقنى «عمر» وطار فى طائرته مع قائدها. وأنا أراه يرتفع، هتفتُ دون وعى: «قلبى طاير فوق... قلبى طاير بعيد عنى». لم أنتبه إلى كلماتى إلا حين أخبرنى بها القراء بعدما سمعوها فى الفيديو. عندها أدركتُ أن القلب يسبقُ اللسانَ للحديث بما لم يصغه العقل. جسدى على الأرض، وابنى يُحلِّق فى السماء. كانت هذه واحدة من المفارقات فى تلك التجربة الجميلة: أن يظل الإنسان واقفًا، وتتجاوز مشاعرُه حدودَ المكان، وأن تكتشف الأمُّ، التى اعتادت أن تراقب خطوات ابنها على الأرض، أن بوسعها رؤيته من زاوية لم تألفها من قبل. وحين لحقتُ به بعد دقائق فى طائرة شراعية أخرى، التقينا فى السماء من جديد، ولحق الجسدُ بقلبه الطائر.
قبل سنوات أصدرتُ كتابى: «عمر من الشرنقة إلى الطيران»، عن رحلة ابنى «المتوحد» من عزلته الطويلة إلى مساحات أوسع من الحياة. فقط فى عام ٢٠٢٢، مزّق خيوط الشرنقة الحريرية، وخرج إلى العالم، وبدأ تدريجيًّا العودة إلى هواياته القديمة التى هجرها سنواتٍ طوالا: السباحة والرسم والفروسية والبيانو. لكنه بالطبع ظلّ يخوض تجاربه الجديدة بطريقته الخاصة وإيقاعه الانعزالى المتوحّد.
وكانت تجربة التحليق بطائرة شراعية شديدة الفرادة فى حياته. فقد شاهدنا الأهرامات من علٍ مرارًا من وراء زجاج النوافذ الضيقة داخل الطائرات العادية. لكن رؤيتها وأنت حرٌّ لا تُكبلك نوافذُ ولا يأسرك حديدٌ، ولا تعلوك إلا صفحةُ السماء الزرقاء، شىءٌ آخر، وتجربة فريدة لا تشبه إلا نفسها. بدأت الأهرامات تكشف لنا، من السماء، وجهًا آخر من وجوه الجمال والسحر. وجهًا منح الحجرَ القديم فرصةً ليحكى حكايا جديدة، لم يسمعها أحد.
الأهرامات الشواهقُ كانت، بعين الطائر، مربعاتٍ هادئة تعلوها أربعة مثلثات متساوية الضلعين، مرسومة بأناقة ودقّة لا يعرفها إلا الجدُّ المصرى العبقرى. الهرم الجاثم تحت ناظرى، بثقل آلاف السنين، دفعنى إلى سؤال عن الأشياء التى نعرفها، أو نظنُّ أننا نعرفها، بينما نخلط بين حقيقتها، وما نراه منها، من زاوية نظر ضيقة ومحدودة، مهما انفرجت.
هكذا نفعل أحيانًا مع البشر. نرى إنسانًا فى لحظة انكماشه، فنحسب الانكماش طبيعته كلها. نراه مترددًا، فنظن أن التردد حدوده النهائية. نختزل شخصًا فى لمحة عابرة، فى تشخيص، فى موقف، فى لحظة انهزام، أو فى مرحلة من حياته، ثم ننسى أن ما نراه ليس بالضرورة كل ما هو موجود فيه. وما ينطبق على البشر ينطبق على المعارف. معارفنا تظل قابلة للنقص والنقض والمراجعة. نحن نشارفُ الحقيقة بالأدلة والأسئلة والعلم وتعدد المناظير واختلاف الرؤى والجدليات مع الأفكار المغايرة، لكن علينا الحذر من لحظة نتصور فيها أننا امتلكنا الحقيقة كاملة.
الطيرانُ لا يغيّر شكل الهرم، بل يغيّر مواضعنا وزوايا نظرنا. لا يجعل الحجر خطوطًا، والأرض لوحة رسم؛ بل يكشف لنا علاقات لم نكن نرها من قبل. كذلك الحياة تتبدّل صورها وفق زوايا النظر. هكذا أدعو الناس إلى النظر إلى أبناء طيف التوحد لا بعين التنمّر، ولا بعين الشفقة، بل بعين مَن ينظر إلى بشر يرون العالم من منظور مختلف عنّا، ولهم نظام عقلى معقّد، لا يشبه أنظمتنا المعتادة.
الهرم الشاهق الذى نراه بعين النملة، صار خطوطًا وادعة تتمدد على بساط الصحراء. تحوّل الجلالُ إلى طمأنينة، وصار الأثر الذى يُرهب الخصومَ ريشةً تُرى بعين الحنان. أىُّ مفارقة أجمل من أن يكون أثقل ما شيده البشرُ على مرّ التاريخ، أصلحَ الدروس لتعلّم الخفّة والرهافة.
أدعو قرائى الكرام إلى خوض هذه التجربة الفريدة، والتحليق فوق الأهرامات بطائرات شراعية خفيفة، ليشاهدوا مجد أجدادهم بعيون طيور السماء.
مقام السؤال:
كم إنسانًا ظلمناه لأننا اكتفينا بالنظر إليه من زاوية واحدة، وكم حقيقةً توهّمنا امتلاكها لأننا لم نجرؤ على التحليق فوقها؟