تهافت الاتفاق

تهافت الاتفاق

تهافت الاتفاق

 صوت الإمارات -

تهافت الاتفاق

بقلم : عبد الرحمن شلقم

كل شيء في هذه الدنيا مسكون بقوة الاختلاف بين البشر، فالحياة بكل تجلياتها وصيرورتها، في الطبيعة ومناشط الحياة، تقوم على التدافع والتنوع. الأمطار تروي الأرض وتنبت الزرع وتملأ البطون الجائعة، لكنْ للسحاب قنوط وبخل، فتغيب الأمطار ويحل الجفاف، فتجدب الأرض وتقل المحاصيل أو حتى تغيب، ويسطو الجوع على البطون. منذ القدم كانت القبائل البدائية تتحارب على الأراضي الخصبة وينابيع المياه. وبعدما تسيل الدماء، ويتكدس الموتى يجنح المتقاتلون إلى السلم، فإذا كان الدافع للقتال هو الحصول على أسباب الحياة، فمن الجنون أن يتحول ذلك إلى وسيلة للموت. تلك هي طبيعة حياة البشر، حركة بين العنف والقتال والسلام. قال الله تعالى: «ولولا دفعُ اللهِ الناسَ بعضهمْ ببعض لفسدت الأرضُ، ولكن اللهَ ذُو فضل على العالمين» (البقرة 251). فالتدافع البشري سلماً وصراعاً هو وقود حركة حياة البشر، في كل المجالات وفي كل الأزمان. الفيلسوف توماس هوبز الذي عاش زمن الحرب البريطانية بين الملك ومجلس النواب وما رافقها من أحداث عنيفة. كانت تلك الأحداث ينبوع الأسئلة التي صنعت فلسفته. في كتابه «اللفياثان» الذي قدم فيه رؤيته الشاملة للنظام السياسي للدولة، توسّع في تحليل الطبيعة البشرية، بكل ما يسكنها من دوافع أنانية، تحرك الناس إلى العنف من أجل تحقيق مصالحهم الذاتية، وخلص إلى أن وجود دولة قوية مسيطرة على الجميع هو الضمان للأمن والاستقرار في المجتمع، ومال إلى جانب الملك، إذ رأى أن تحقيق الأمن والسلام والاستقرار في كل المجتمع، تحت حكم الملك يسبق خيار الديمقراطية، بل وحتى الحرية نفسها. اتفق كثير من الفلاسفة والمفكرين، الذين أتوا من بعده مع ما ذهب إليه في فلسفته، واختلف معه كثيرون، ولا تزال أفكاره محل نقاش واختلاف واتفاق معه.

تحاربت الإمبراطوريات، وغزت شعوُبٌ شعوباً أخرى، واحتلت أراضيها واستولت على مقدراتها، بعد حروب طويلة أو قصيرة. لكن الجنوح إلى السلام، والاتفاق على تسويات وتنازلات كثيراً ما تكون الخيار الذي يطفئ نيران الحروب. اتفاقات عديدة شهدها العالم قديماً وحديثاً، بعد حروب وصراعات دموية طويلة، صمد بعضها ونجح، في حين فشلت أخرى وانتكست، وفي الحالتين كان لها تأثير في إعادة تشكيل العالم. من أهمها اتفاقية وستفاليا عام 1648 التي أنهت حرب الثلاثين عاماً في أوروبا، وحرب الثمانين عاماً بين إسبانيا وهولندا. ووصفت هذه الاتفاقية بأنها المؤسس للدولة القومية الحديثة، لكنها لم تمنع نشوب حروب أوروبية بعدها. مؤتمر فيينا عام 1815 بعد هزيمة نابليون بونابرت، وشاركت فيه النمسا وبريطانيا وروسيا وفرنسا وغيرها من الدول الأوروبية، وكان من أهم قراراته إعادة رسم خريطة أوروبا لتحقيق توازن القوى بالقارة، وإعادة أسرة آل بوربون إلى عرش فرنسا، وتوسيع أراضي روسيا وبروسيا والنمسا، وتوحيد الأراضي الألمانية وتوحيد بلجيكا وهولندا في مملكة واحدة. لكن أغلب قرارات ذلك المؤتمر لم تتحقق، بل حركت ثورات أوروبية عام 1848 وكان لها آثار كبيرة في القارة، واتفاق فرساي بعد الحرب العالمية الأولى، الذي قاد إلى حرب عالمية ثانية رهيبة، لم تعرفها الدنيا من قبل ومن بعد. واتفاقية الوحدة التي صفق لها العرب وغنوا، بين مصر وسوريا عام 1958، التي هوت بعد ثلاث سنوات. اتفاقية الهدنة الكورية أوقفت القتال، لكنها لم تنهِ الحرب بمعاهدة سلام، ولا تزال الدولتان من الناحية الرسمية في حالة حرب. اتفاقية باريس التي هدفت إلى إنهاء الحرب في فيتنام، وانسحاب القوات الأميركية، لكن القتال استمر على الأرض، حتى توحيد جزأي فيتنام عام 1975. اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، أنهت الحرب بين مصر وإسرائيل، لكنها لم تنهِ الحروب بين إسرائيل ودول عربية أخرى. وكذلك اتفاق الطائف بين الأطراف اللبنانية، لكن السلام الشامل والدائم، بين الأطراف الموقعة عليه، لم يكرس قوة الدولة اللبنانية، وفرض سيادتها على كامل أرض الدولة. نستطيع أن نضيف إلى هذه الاتفاقيات والاتفاقات المتهافتة ما حدث ويحدث في السودان شمالاً وجنوباً، وفي اليمن شماله وجنوبه، واتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، الذي هلل له العالم، وفرح بها الفلسطينيون واعتقدوا أن العودة إلى أرضهم صارت مسألة وقت، وإذا بالعرَّاب الإسرائيلي الأول للاتفاق إسحق رابين يقُتل بيد متطرف صهيوني، أما القائد الفلسطيني ياسر عرفات، الذي عمَّد الاتفاق، فقد رحل في محنة مرض غامض، ولم يقل العارفون إنه ليس بفعل فاعل.

الحديث عن مشاريع الاتفاقات والاتفاقيات، بين دول وأطراف تتحارب الآن، تدفعنا إلى قراءة القائمة الطويلة، لاتفاقات وقعتها دول وأطراف عاشت سنوات من الصراع والحروب، لكن السلام كان أصعب من أن تحققه حروف على ورق، وتوقيعات سياسيين تذيلها، وفي حالات كثيرة، كانت كمن يحاول أن يطفئ النار بالبنزين.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تهافت الاتفاق تهافت الاتفاق



GMT 00:09 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

متى ننتهي من بعبع التوجيهي ؟ !

GMT 00:08 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

مكالمة بطعم جهنم

GMT 00:07 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

كاريكاتير بكل الكلام

GMT 00:06 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

كله إلا كده!

GMT 00:04 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

مهمة بعد المونديال!

GMT 00:04 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

الأسئلة الكبرى!

GMT 00:03 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

لا بديل عن «الأونروا»

GMT 00:01 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

الفوز

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت - صوت الإمارات
تعيش النجمة اللبنانية هيفاء وهبي حالة استثنائية من النشاط الفني والتألق الجمالي في صيف عام 2026، حيث نجحت كعادتها في خطف الأنظار وتحويل منصات التواصل إلى ساحة للاحتفاء بأناقتها المترفة. فبعد إطلاقها لأغنيتين حققتا نجاحاً واسعاً، أحيت الأيقونة اللبنانية ليلة غنائية حاشدة في العاصمة الأردنية عمّان، أطلت فيها بمظهر ينبض بالحيوية والترف، مؤكدة حضورها كواحدة من أبرز ملهمات الموضة في الوطن العربي. وفي حفلها الأخير بعمّان، بدت هيفاء متوهجة على المسرح بفستان طويل يحاكي سحر البحار من توقيع المصمم اللبناني العالمي جورج حبيقة. تميز التصميم بقصة "الأوف شولدر" ذات الحواف المنحنية مع تصميم متداخل ينحت الخصر ببراعة، وجاء مرصعاً بالكامل بتطريز كريستالي تتداخل فيه تدرجات الأزرق والفضي، وتتدلى منه حبات الكريستال البراقة لتتماشى مع ...المزيد

GMT 21:52 2019 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

تتمتع بسرعة البديهة وبالقدرة على مناقشة أصعب المواضيع

GMT 11:24 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الجدي الأثنين 30 تشرين الثاني / نوفمبر2020

GMT 21:02 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

قد تتراجع المعنويات وتشعر بالتشاؤم

GMT 04:35 2019 الجمعة ,13 أيلول / سبتمبر

يحمل إليك هذا اليوم تجدداً وتغييراً مفيدين

GMT 21:27 2019 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 08:31 2020 الأربعاء ,01 تموز / يوليو

تحقق قفزة نوعية جديدة في حياتك وانطلاقة مميزة

GMT 11:21 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الدلو الأثنين 30 تشرين الثاني / نوفمبر2020

GMT 13:06 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك تغييرات كبيرة في حياتك خلال هذا الشهر

GMT 20:54 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:02 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 14:45 2017 الأحد ,03 كانون الأول / ديسمبر

الشيخ حميد بن عمار يشهد احتفالات جامعة عجمان بالمناسبة

GMT 09:17 2017 الأربعاء ,07 حزيران / يونيو

شرطة رأس الخيمة تطيح "تجار رؤوس الجبال"

GMT 15:48 2018 الإثنين ,01 كانون الثاني / يناير

حمدان بن محمد يفاجئ فريقه من موظفي حكومة دبي برسالة محفزة

GMT 14:17 2017 السبت ,09 كانون الأول / ديسمبر

تكريم متميزين في إدارة شرطة المنطقة الشرقية بالشارقة

GMT 02:02 2017 السبت ,28 كانون الثاني / يناير

السويدي وسلطان بن محمد بن خالد يحضران أفراح آل سالمين

GMT 09:26 2019 الإثنين ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حكاية الهندي الذي كان يقتل الدببة ليأكل أعضاءها التناسلية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates