الاتحاد الأوروبي الاختلاف قوة

الاتحاد الأوروبي... الاختلاف قوة

الاتحاد الأوروبي... الاختلاف قوة

 صوت الإمارات -

الاتحاد الأوروبي الاختلاف قوة

بقلم : عبد الرحمن شلقم

الاتحادُ الأوروبي كيانٌ سياسيٌّ وُلد من رحم زمنٍ لا يشبه ما سبقه. أوروبا قارةٌ لها جغرافيا متفردة، وتكوينٌ بشريٌّ تحرَّكَ عبر التَّاريخ وفوقَ الجغرافيا، برياحٍ هادئةٍ وأخرى عنيفةٍ دامية. صراعاتٌ دينيةٌ وحروبٌ توسعية، وإمبراطورياتٌ لا تكبحُها حدودٌ، ولا تشبعُها ثرواتُ القريب أو البعيد. في تلك القارةِ التي لها خاصيتُها بين غيرِها من القارات، اشتعلتِ العقولُ مبكّراً فلسفةً وعلماً على امتداد زمنها وأرضها. هناك قُدحَ زنادُ العقل، ولم يتوقَّف ضوؤُه على مدى القرون. في حين عاشت شعوبٌ في قارات أخرى، سكنَها الظلامُ وسكنته، واستمرأتِ الحياةَ في غيبوبة الجهلِ المظلم، وتحجّر ما في الرؤوس ووهنتِ القدرات البشرية.

أوروبا دفعت ثمنَ النُّهوض والتقدم. ثارَ رجالُ الدين والفلاسفة والمفكرون على الكهنوتِ الكنسي الكابح للعقل والتفكير والإبداع، ودفع كثيرٌ منهم حياتَهم ثمناً للنهضة والتقدم، وعلى أجسادهم بُنيت جسورُ الطريق إلى زمن إنساني جديد. اقتحمت شعوبُ أوروبا دنيا الصناعة، فبدأت حقبتها الاستعمارية، التي استولت فيها على أراضي بلدان أخرى، بها الثرواتُ الزراعية والمعدنية الضرورية للتصنيع. صارتِ الصناعةُ قوةً مضافةً للقدرة البشرية. لكنَّ الحروبَ بين بلدان القارة نفسها كانت لا تغيب إلا لكي تشتعلَ مراتٍ ومرات. الحربان العالميتان الأولى والثانية كانتا الناقوسَ الرهيبَ الذي أيقظ أوروبا، وحرَّك خطاها نحو زمن جديد. صدحت أصواتٌ فكرية وسياسية أوروبية بمقولة إمَّا الوحدة أو الحرب. عندما يكون العقل هو المرشد للبشر، في مسيرة الحياة بكل تعقيداتها، وما فيها من طمع وخوف، تسود الواقعية التي تجعل من الاختلاف قوة، وتصير التنازلاتُ والتسويات المتبادلة أسلوباً لتكريس السلام والتعاون والعيش المشترك، في عالم يطمح إلى تحقيق فرحة الحياة.

بعد الحرب العالمية الثانية، برزتِ الولاياتُ المتحدةُ قوةً ماليةً وعسكريةً وسياسية، وعلى طرفٍ قريبٍ من أوروبا الغربية، برزت قوةٌ آيديولوجيةٌ شيوعية، يقودها الاتحاد السوفياتي، بقوته العسكرية الضاربةِ ومساحته الجغرافية الواسعة، ونفوذِه المتحرك في العالم. الزعماء السياسيون الأوروبيون الذين قادوا دولهم، في الحرب العالمية الثانية ضد المحور النازي الفاشي، أيقنوا أن لا عاصم لهم إلا وحدتهم. بدأت رحلة الوحدة سنة 1951 بتأسيس المجموعة الأوروبية للفحم والحديد والصلب، ثم تحرَّك التعاون بين دول المجموعة في المجال الاقتصادي بإنشاء السوق الأوروبية المشتركة على أساس قواعد مشتركة بين دوله، وهي الديمقراطية والتجارة الحرة والتعاون الاقتصادي، ومنع دخول الدول الشيوعية والديكتاتورية، ولم يُسمح لليونان والبرتغال وإسبانيا بالانضمام للمجموعة إلا بعد سقوط الأنظمة الديكتاتورية في هذه الدول الثلاث. في سنة 1993 بعد توقيع اتفاقية ماستريخت وتفعيل اتفاق «الشنغن»، قام الاتحاد الأوروبي الذي يضم اليوم 27 دولة، وهو كيان كونفدرالي له حكومة وبرلمان ومصرف مركزي اتحادي وعملة واحدة هي اليورو، في حين تحتفظ كل دولة عضو بحكومتها وبرلمانها الوطني وكذلك بمصرفها المركزي وجيشها الوطني.

استغرق بناء هذا الكيان العملاق مدة 40 سنة، بقوة العقل والواقعية وشفافية وعي شعوبه، ولم يبنه شعار «القومية الأوروبية» أو خطب الزعماء التعبوية أو عنف الاستبداد. في الأيام القليلة الماضية اندفع عشرات الآلاف من المغاربة إلى لسان جزء من بلادهم يقع تحت الاحتلال الإسباني يسمى سبتة، فارتفعت أصواتٌ سياسيةٌ يمينية في بعض دول الاتحاد الأوروبي تحذّر من تدفق هؤلاء إلى دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، مستغلين حرية التنقل بين دوله، وفقاً لاتفاق «الشنغن».

وكان أعلى الأصوات صوت رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني، التي طالبت بمراجعة العلاقة مع إسبانيا فيما يتعلق باتفاق «الشنغن». هناك من ظن أنَّ ذلك الحدث يهدد كيان الاتحاد الأوروبي. ظاهرة الهجرة غير النظامية التي يندفع فيها آلاف البشر من أفريقيا إلى أوروبا، عبر إسبانيا وإيطاليا واليونان، تؤرق كل أوروبا، لكن هناك حقائق لا يمكن تجاهلها، فأوروبا بحاجة إلى الأيدي العاملة الأجنبية، بسبب تدني نسبة الولادة في أغلب دوله، وإيطاليا التي انتقدت ما وصفته بالتساهل الإسباني مع الهجرة غير النظامية، استقبلت في السنوات الخمس الماضية خمسمائة ألف مهاجر، أي ضعف ما استقبلته إسبانيا؛ 220 ألف مهاجر. في مدن إيطاليا نجد اليوم، أنَّ غالبية العاملين في محطات الوقود وتنظيف الشوارع والمقاهي والمطاعم وغيرها هم من الآسيويين والأفارقة، بل إنَّ بعضهم دخل في منظومة الشرطة.

إنَّ من يعتقد أن ملاسنة بين زعيمين أوروبيين أو أكثر تهدم ما بناه عقلاؤها على مدى عقود طويلة، وباركته شعوبها في استفتاءات شفافة، لا يدرك مدى صلابة ما تبنيه العقول السياسية، ووعي الشعوب المتعلمة. الحريات الأربع التي حققها الاتحاد الأوروبي لمواطنيه، وهي حرية التنقل والإقامة والعمل وحركة تنقل البضائع بين دوله، جعلت من هذا الكيان العملاق فضاءً رحباً غير قابل للوهن. الحقيقة التي لا تغيب هي أنَّ المنظومة السياسية الأوروبية تضع ما تختلف عليه على مائدة النقاش، حيث تطرح كل الأفكار، ليصار إلى تفاهم يؤسس على التفاهمات والتنازلات المتبادلة، ويكون الاختلاف قوةً تحقق مصالح الشعوب. في دول أخرى اشتعلت حروبٌ بسبب مباراة كرة قدم، وفي غيرها قُطعت علاقاتٌ بين دول بسبب مقال في صحيفة، أو أغنية في إذاعة أو خطاب ألقاه زعيم.

التخلفُ وباء والجهل عدوُّ الحياةِ والنصر. في الحرب العالمية الأولى، استدعى السلطانُ العثماني أعضاءَ مجلس «المبعوثان» وقالَ لهم: أرسلوا الفقهاءَ ليقرأوا أحاديثَ صحيح البخاري على المراكب الحربية، ردَّ عليهم العراقي معروف الرصافي عضو المجلس: يا مولانا إنَّ المراكب الحربية تسير بالبخار وليس بالبخاري، فطردَه السلطان، ولكن حضرتِ الهزيمة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الاتحاد الأوروبي الاختلاف قوة الاتحاد الأوروبي الاختلاف قوة



GMT 17:00 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

إميل حبيبي

GMT 16:59 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

شطرنجيات بقائي

GMT 16:58 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

«اتفاقية مكة»... نضج استراتيجي إقليمي

GMT 16:56 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

سياسات نفطية

GMT 16:54 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

الرياض وباريس... قرنٌ من الشراكة

GMT 16:53 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

واشنطن و«حزب الله»... ملاحقة كاشفة

GMT 16:53 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

بين لبنان النموذجي و«المناطق النموذجية»

ليلى زاهر تستقبل طفلتها الأولى وتلهم الحوامل بإطلالات راقية

دبي - صوت الإمارات
شاركت النجمة المصرية الشابة ليلى أحمد زاهر متابعيها خبر استقبال مولودتها الأولى "إيلا" من زوجها المنتج هشام جمال، لنستعرض أبرز إطلالاتها الملهمة خلال مرحلة الحمل، والتي اتسمت بالرقي ومواكبة الموضة بأسلوب ناعم يبرز أنوثتها ووقارها. تألقت ليلى في ظهور إعلامي برفقة زوجها بفستان انسيابي بقصة "درابيه" واسعة من توقيع دار "لويس فويتون"، تميز بكسرات خفقت ملامح قوامها وطبعات ورود باهتة بلون السيمون، ونسقت معه حقيبة مطابقة وتسريحة ذيل حصان عالٍ. وفي أول إعلان رسمي عن حملها تحت الأضواء خلال مشاركتها في مهرجان كان السينمائي، استعرضت حملها بفستان سهرة أبيض محدد القوام من تصميم رامي قاضي، جاء بأكمام طويلة وأطراف مزينة بطبقات الريش المتدرجة مع ذيل خلفي طويل. وحافظت النجمة الشابة على أسلوبها الناعم في مناسبات السهرة باخ...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 05:41 2018 الخميس ,14 حزيران / يونيو

تعرف على كيفية صلاة العيد وحكمها و10 سُنن مستحبة

GMT 02:24 2020 الخميس ,02 كانون الثاني / يناير

50 % انخفاض أسعار الأسماك في أم القيوين

GMT 18:55 2018 الإثنين ,14 أيار / مايو

ثلاثون بلاء كان يستعيذ منها النبي

GMT 20:02 2020 الجمعة ,17 كانون الثاني / يناير

ترقب الانتهاء من تمويل سكني لـ500 ألف أسرة سعودية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates