«الديمقراطية» التي يحلبون سرابها

«الديمقراطية» التي يحلبون سرابها

«الديمقراطية» التي يحلبون سرابها

 صوت الإمارات -

«الديمقراطية» التي يحلبون سرابها

بقلم : عبد الرحمن شلقم

 

الكلمات تتزاحمُ في الأفواه، وفي سطور الصحف والكتب، وعلى شاشات التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي. كلمات تسكنها مفاهيم سائلة قد تَلَذُّ للقائلين وبعض السامعين والقارئين.

في سنوات الاحتلال التي كانت فيه بعض البلدان العربية، تحت ثقل الاستعمار، كانت كلمة «الاستقلال»، عاصفةً نارية تندفع عاليةً من أفواه رجال الوطن، ويصفّق لها الكبارُ والصغار. في مطلع العقد الخامس من القرن الماضي، وبعد حصول بلدان كثيرة على الاستقلال، حطَّ مصطلح آخر بين من عُرفوا بالنخب، وهي «القومية العربية»، وأنجبت شعاراً احتفالياً، هو الوحدة العربية.

«الراديو» الصندوق السحري الكبير، حلَّ ضيفاً فخماً ومنبراً زعاميّاً. «صوت العرب» الإذاعة التي تبث من القاهرة، رسمت خريطة الحلم، وطرَّزتها بالأماني الطامحة، على أنغام الأناشيد والهتافات والخطابات والتصفيق، وارتفعت صرخة الثورة. بعد انكسارات في الحروب، وضربات فشل الوحدة، رانَ الغبار على الألسنة، التي نبت فيها شَعرٌ شوكي. شهد العالم تغيرات هائلة، في العلوم والتقنية والفكر وأنماط الحياة. نهضت أمم وتخلَّفت أخرى.

«التنمية» كلمة دلفت إلى دنيا بلدان عربية، وتحركت العقول ترسم خرائط الزمن الجديد، وبدأ عصر جديد يرسم حدوداً بين الواقعية التي تبني دعائم للنهوض والتقدم، وبين التائهين في أدغال الشعارات والأناشيد والغناء للزعماء.

الكلمات التي تصنع قوتها، في معمعة قاموس الحياة الحي، يبدعها التطور الإنساني المتحرك. «العولمة» كلمة كثيفة مشحونة بقوة حقائق فاعلة، في كل الدنيا بما فيها من اقتصاد وحركة وثقافة، واشتباك إنساني تفاعلي لا تحدُّه حدودٌ، في كيانٍ عالميّ متداخلٍ، في سوق مفتوحةٍ بين كل دول العالم. في دنيا العربِ سرت تعبئةٌ كلاميةٌ بالأصوات والحروف، تصرخُ بشعارات حمراءَ تحذّر من مؤامرةٍ كونية على الهُويَّة العربية. «العَلمانية» الكلمة الجمرة التي عاش فلاسفةٌ ومفكرون ومثقفون وكتابٌ وصحافيون عرب، يتنفّسون دخانَها ويشهقون ببخورِ حروفها. وضعها أغلبُهم في إناءٍ صغير، يمخضون فيه عبارةَ، «فصل الدين عن الدولة». هكذا بكلّ تبسيط، وكأنَّه طفح خيال عابر. «الديمقراطية» الكلمة التي نمت بذرتُها في تربة زمنٍ إغريقي سحيق. حضرت غصون أشجارها في معامل عقول بعض الأمم، لكنَّ ظلَّها غاب عن أخرى. الديمقراطية نظامُ إدارةٍ لتجمع بشري يعيش في مكان واحد، يشارك فيه كلُّ الشَّعب في القرار الوطني. وُلدت الكلمة في أوروبا وعاشت في عقول فلاسفتها ومفكريها، وإن غابت عن واقع الحياة.

حروب دامية وصراع بين الكنيسة والعلم، وحراك اقتصادي عابر للكيانات، استمر قروناً طويلة. الإصلاح الديني الذي بلغ ذروته على يد مارتن لوثر في مطلع القرن السادس عشر، كانَ الضربة التي هزَّت الزَّمنَ المسيحيَّ المغلق. كان رجال الدين يضربون بعصا المقدس الظلامي، نتج الفكر والعلم. سجنوا العلماءَ وحرَّقوهم. كلُّ من قال بدوران الأرض، كُفّر أو أُحرق. كوبر نيكوس وغاليليو وغردانو برونو وغيرهم. كان الصدام دامياً، ودفع المفكرون والعلماء ثمناً باهظاً. تفجَّرت قوة العقل، واندفع رتل الفلاسفة عبر القارة الأوروبية. لم تغب الحروب الطويلة بين الأمم الأوروبية، بدوافعَ مذهبيةٍ مسيحية، وطموحاتِ التوسع الجغرافي، وكتبت العقول على أثرها اتفاقية وستفاليا سنة 1648، التي أسست لفكرة الدولة الوطنية.

نظرية العقد الاجتماعي للفيلسوف جان جاك روسو، كانت نقلة البداية الكبيرة لتكوين مجتمعات جديدة، عبر الاتفاق بين الشعب وحكامه على ما لهم من حقوق، والطريقة التي يتم بها حكمهم، وإقامة سلطة تقوم على التراضي، وتضمن حقوق الجميع، وتعاقب من يعتدي على هذه الحقوق. انتشر التعليم وبدأت حقبة التنوير، وانطلق زمن الصناعة والتقدم. الديمقراطية مولود أوروبي جاء بعد قرون طويلة من الحمل والمخاض العنيف. هناك بيننا اليوم من يعتقد أنَّ نظام الحكم الذي تبنته بعض الدول الأوروبية، يمكن استنساخه أو استيراده، بهتاف أو لغو حالم. التعددية الحزبية هي نتاج ثقافي شامل، نبت في أرض سقاها العقل الحر، وكان ثمرها السلم الاجتماعي القائم على إدارة الاختلاف، والتداول السلمي على السلطة. أمامنا تجاربُ حيَّةٌ ناطقة بنجاحات وفشل. الهند كانت لؤلؤةَ تاج الإمبراطورية البريطانية. بعد الاستقلال تبنَّت التعددية الحزبية، والنّظامَ البرلماني. انفصلت عنها باكستان وأسست دولةً إسلامية، وتبنَّت النّظامَ البرلماني. شهدت انقلاباتٍ عسكرية عدَّة، وانتهى الأمر بانفصال لبنغلاديش، في حين لم تشهد الهند انقلاباً عسكرياً واحداً، رغم تعدّد الأعراق والأديان. في الولايات المتحدة، يتداول فيها حزبان على السلطة، وكذلك الحال في بريطانيا. المساواة في المواطنة وسيادة القانون وحرية الفكر والرأي، تلك هي أعمدة النظام الديمقراطي التعددي.

شعوب تواجه تحدياتها بالدعاء، والهروب إلى غبار الماضي السحيق، وتتغنَّى بتاريخ قبائلها، وعظمة أجدادها ولم تتعلَّم إدارة الاختلاف، تفصلها قرون عن الديمقراطية التعددية بنمطها الغربي. الصين الشعبية، لم تستورد ذاك النمط، وبعد سنين من هيمنة قفزات ماو تسي تونغ العنيفة المغامرة، عادت إلى موروث كونفشيوس الحكيم، وحققت قفزة اقتصادية أسطورية، تحت سلطة حزب واحد

الجذور الثقافية الراسخة the grass roots لا يمكن تجاوزها برعشات الأوهام والأحلام. قراءة مجلدات الزمن الضخمة، ومفاعيلها في عقول الأمم، تضيء الطريق أمام الشعوب، أما مضغ مصطلحات رغبوية، فقد يكون متعة للجالسين في المقاهي والصالونات، التي يرتادها الحالمون المتوهمون أنَّهم الفقاعة النخبوية المحتكرة للحكمة. هؤلاء هم من يحلب السراب.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«الديمقراطية» التي يحلبون سرابها «الديمقراطية» التي يحلبون سرابها



GMT 05:59 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

ظهور دجال آخر الزمان!

GMT 05:54 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

المواصلات العامة

GMT 05:51 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

إلى أي مدى سينجح مجلس السلام في صناعة بديل؟

GMT 05:48 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

الولادات شاغلة البال عربياً ودولياً

GMT 05:46 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

الطاقة في الأراضي الفلسطينية

GMT 05:43 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

روح السعودية الجديدة تكمن في إدارة الحركة

GMT 05:38 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

تشويه الإصلاح مقامرة بلبنان!

GMT 05:36 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

ما بعد دافوس: من طمأنينة التحالف إلى إدارة المخاطر

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض - صوت الإمارات
سجّلت النجمات السوريات حضوراً لافتاً في حفل Joy Awards 2026، حيث تحولت السجادة البنفسجية إلى مساحة استعراض للأناقة الراقية والذوق الرفيع، في مشاركة حملت رسائل فنية وجمالية عكست مكانة الدراما السورية عربياً. وتنوّعت الإطلالات بين التصاميم العالمية الفاخرة والابتكارات الجريئة، في مزيج جمع بين الكلاسيكية والعصرية، وبين الفخامة والأنوثة. كاريس بشار خطفت الأنظار بإطلالة مخملية باللون الأخضر الزمردي، جاءت بقصة حورية أبرزت رشاقتها، وتزينت بتفاصيل جانبية دقيقة منحت الفستان طابعاً ملكياً. واكتملت إطلالتها بمجوهرات فاخرة ولمسات جمالية اعتمدت على مكياج سموكي وتسريحة شعر كلاسيكية مرفوعة، لتحتفل بفوزها بجائزة أفضل ممثلة عربية بحضور واثق وأنيق. بدورها، أطلت نور علي بفستان كلوش داكن بتصميم أنثوي مستوحى من فساتين الأميرات، تميز بقصة مكش...المزيد

GMT 06:12 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

نتنياهو يتعهد بعدم السماح بإقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة
 صوت الإمارات - نتنياهو يتعهد بعدم السماح بإقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة

GMT 23:33 2018 السبت ,29 كانون الأول / ديسمبر

روجيه لومير يعود إلى تدريب النجم الساحلي التونسي

GMT 15:08 2017 الأحد ,10 كانون الأول / ديسمبر

طارق الشناوي يكشف أسرار الأعمال الفنية على قناة أون بلس

GMT 12:10 2013 الأربعاء ,04 كانون الأول / ديسمبر

ابنة مانديلا : والدي يقاتل المرض ببسالة على "فراش الموت"

GMT 21:52 2019 الخميس ,04 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء متوترة خلال هذا الشهر

GMT 11:44 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أمور حزينة خلال هذا الشهر

GMT 23:16 2018 السبت ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

صلاح خاشقجي يقيم مجلس عزاء لوالده في جدة

GMT 03:48 2018 الجمعة ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

إلقاء القبض على مسن "91 عاما" لتقبيله زوجته

GMT 14:46 2018 الثلاثاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

تطوير كريم يزيل بُقع الشمس دون ألم

GMT 13:37 2013 الأربعاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

كتاب جديد بعنوان" العنف الأسري وحقوق المرأة السعودية"
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates