إرهاق الأخبار

إرهاق الأخبار

إرهاق الأخبار

 صوت الإمارات -

إرهاق الأخبار

بقلم : محمد الرميحي

 

شكل بياني تم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي في الأسبوعين الأخيرين، هو رسم يقارن متوسط الأوقات التي يقضيها الشخص قبل ثلاثين عاماً واليوم. المفارقة أن الإنسان لم يعد يقضي وقتاً مع الأسرة، أو مع الأصدقاء، أو في المقهى، يتناقص الزمن لصالح وسائل التواصل الاجتماعي، وتقول لنا بعض الدراسات إن دقائق فقط تمضي بين استيقاظ الإنسان وبين تناوله لتليفونه النقال.

قضاء الوقت الأطول مع الوسائل الرقمية أصبح ظاهرة العصر، وخاصة مع التليفون النقال، فلا تجد أحداً اليوم في عيادة الطبيب، أو في المواصلات العامة، أو في المقهى، أو حتى في المنزل، إلا وهو قابض على جهازه النقال، يتابع أو يتصل أو يقرأ ما يتم بثه على وسائل التواصل، حتى الاجتماعات العائلية لم تعد اجتماعية كما كانت في السابق، بل أصبحت فضاء متصلاً افتراضياً، ومنعزلاً في الواقع.

في عصر باتت المعلومات تتدفق بلا توقف وبكثرة من كل اتجاه، أصبح الإنسان المعاصر محاطاً بكم ضخم ومتغير ومتضارب من الأخبار على منصات التواصل الاجتماعي، وقد برزت ظاهرة جديدة تُعرف باسم «الإنهاك الإخباري» (News Fatigue)، ويمكن أن يحدد هذا المصطلح بشكل عام بأنه شعور الشخص بالإرهاق العقلي والنفسي، نتيجة التعرض المفرط للأخبار، خاصة عندما يكون المحتوى سلبياً أو صادماً أو مكرراً، وقد يتجلى هذا الإرهاق في شكل قلق وتوتر، أو عزوف تام عن متابعة الأخبار، أو حتى الميل إلى العزلة.

المشكلة هنا لا تتوقف عند الأفراد، بل تتعداهم للدول؛ فسرعة الأخبار وكثافتها وتضليلها تجعل متخذ القرار مضطراً للتعليق الدائم، أو الشرح، أو التصحيح، أو التكذيب... مما يسبب تأكُّل التركيز على السياسات الجوهرية للدولة، والانشغال بالأخبار الكاذبة.

التكرار المفرط للأحداث السلبية التي تحيط بنا، مثل الحروب، كما هي أطول حرب في غزة، والمناظر الوحشية القادمة من هناك، وأيضاً حرب السودان وتشتت الملايين، وتهديد حرب الجارتين الهند وباكستان، أو الحرب الممتدة في أوكرانيا، أو أخبار تصاعد الحرب التجارية بين العملاقين الكبيرين الصين والولايات المتحدة... تولد كل تلك الأخبار شعوراً بالعجز والقلق. ومع انتشار تطبيقات التواصل الاجتماعي بأشكالها المختلفة، وقدرة الفرد الواحد على أن تكون له منصة يقول فيها ما يريد حتى لو كان تافهاً، ذاك يتطلب جهداً ذهنياً مستمراً للمتابعة المرهقة.

كثيراً ما يلجأ أصحاب المنصات إلى الإثارة والتشويق الزائد عن طريق السرديات المثيرة، من أجل زيادة التفاعل مع هذه المنصة أو تلك، وبالتالي تقدم أخباراً متناقضة تتضارب فيها الروايات، وأصبحت تلك المهنة عمل من لا عمل له!

لقد أصبحنا أمام ما يسمى الإدمان الرقمي، وهو إدمان ينتشر بين جميع طبقات المجتمع، وخاصة الشباب؛ يخفض الاهتمام بالأحداث الرئيسية، ويعظّم التافه من الأمور.

في هذا الفضاء يزداد الميل إلى عدم الثقة في ما يُنشر على هذه المنصات بين أولئك الأشخاص القادرين على نقد ما يُكتب، وهم قلة. أما الأغلبية فيشعرون بالقلق والتوتر؛ لأنهم يتعرضون إلى تلك الأخبار السلبية بشكل دائم يجبرهم على تصديقها، وكثير منها شعوذة.

أصبحت الحوارات عن بُعد هي السائدة، ويسود بين المجموعات الواتسبية تفاعل سلبي يصل في بعض الأوقات إلى الخصومة الشديدة بين المتحاورين، واستخدام كلمات قد تكون نابية في حق الآخر؛ لأن كتابة الرأي والإنسان بعيد عن الآخرين تختلف عن نطقه هذا الرأي في مجموعة إنسانية عادية.

في المجتمعات التي يجري فيها مشاركات انتخابية دورية تتراجع تلك المشاركات، بسبب تراجع النقاش العام، أو العزوف عن المشاركة المباشرة؛ لما يصل إلى المواطن من أخبار على وسائل التواصل. أما في المجتمعات التي ترتفع فيها حدة الخلافات، فتأتي وسائل التواصل الاجتماعي لتزيد من نار تلك الخلافات من خلال فخ المعلومات المضللة التي تصمم من أجل تزييف الوعي الجماعي، وبعضها مدفوع الثمن، بل أصبحت «مهنة» تدر دخلاً للبعض!

كيف يمكن التعامل مع «إرهاق الأخبار»؟ توصي صديقة في طب العيون فتقول: على الشخص العادي أن ينظر في تليفونه النقال لمدة 1/2 ساعة، ثم يريح عينيه لـ1/2 ساعة أخرى، والأفضل أن يختار كتاباً يستهويه للقراءة المباشرة، بدلاً من شخوص العين في ذلك الجهاز.

والتأكد من المصادر الموثوقة التي تقدم الأفكار أو الأخبار المدققة للحصول على المستجدات، بدلاً من المصادر التي تعتمد على الإثارة والتشويق خوفاً من فقد السيطرة الإعلامية، وترسيخ بيئة ردات الفعل، مما يزيد من الاستقطاب المجتمعي والسياسي.

يقدم بعض المختصين طريقة أخرى، وهي ما يسمى «الصيام الإخباري»، ويعني التوقف لفترة محددة عن متابعة الأخبار، أو ما يكتب الزملاء والأصدقاء في وسائل التواصل الاجتماعي، والاندماج مع المجموعات الاجتماعية بالأحاديث العامة في المنتديات أو التجمعات من أجل الحفاظ على التوازن النفسي؛ لأن الإدمان الإخباري يمكن ببساطة أن يسبب عجزاً في الجسم، أو عجزاً في النفس، وهو الاكتئاب المتوسط أو الحاد. زمن الإرهاق الإخباري معنا، وعلينا التفكير في التخلص منه.

آخر الكلام: إرهاق الأخبار مرض العصر الجديد، وهو انسياق لاستجابة مرضية للأجهزة الرقمية الحديثة، بالإدمان عليها تفقد الراحة الذهنية، وهي كغيرها من الوسائل، الإفراط فيها مرض قد نحتاج إلى متخصصين

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إرهاق الأخبار إرهاق الأخبار



GMT 17:00 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

إميل حبيبي

GMT 16:59 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

شطرنجيات بقائي

GMT 16:58 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

«اتفاقية مكة»... نضج استراتيجي إقليمي

GMT 16:56 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

سياسات نفطية

GMT 16:54 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

الرياض وباريس... قرنٌ من الشراكة

GMT 16:53 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

واشنطن و«حزب الله»... ملاحقة كاشفة

GMT 16:53 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

بين لبنان النموذجي و«المناطق النموذجية»

ليلى زاهر تستقبل طفلتها الأولى وتلهم الحوامل بإطلالات راقية

دبي - صوت الإمارات
شاركت النجمة المصرية الشابة ليلى أحمد زاهر متابعيها خبر استقبال مولودتها الأولى "إيلا" من زوجها المنتج هشام جمال، لنستعرض أبرز إطلالاتها الملهمة خلال مرحلة الحمل، والتي اتسمت بالرقي ومواكبة الموضة بأسلوب ناعم يبرز أنوثتها ووقارها. تألقت ليلى في ظهور إعلامي برفقة زوجها بفستان انسيابي بقصة "درابيه" واسعة من توقيع دار "لويس فويتون"، تميز بكسرات خفقت ملامح قوامها وطبعات ورود باهتة بلون السيمون، ونسقت معه حقيبة مطابقة وتسريحة ذيل حصان عالٍ. وفي أول إعلان رسمي عن حملها تحت الأضواء خلال مشاركتها في مهرجان كان السينمائي، استعرضت حملها بفستان سهرة أبيض محدد القوام من تصميم رامي قاضي، جاء بأكمام طويلة وأطراف مزينة بطبقات الريش المتدرجة مع ذيل خلفي طويل. وحافظت النجمة الشابة على أسلوبها الناعم في مناسبات السهرة باخ...المزيد

GMT 01:44 2020 الأربعاء ,15 كانون الثاني / يناير

تعرف على سعر الدرهم الاماراتى مقابل الريال سعودي الثلاثاء

GMT 09:20 2019 الخميس ,31 تشرين الأول / أكتوبر

راشد النعيمي يعزي في وفاة خميس السويدي

GMT 10:25 2021 الثلاثاء ,07 أيلول / سبتمبر

أبراج تدعمك وتقف بجانبك في المواقف الصعبة

GMT 20:19 2019 الثلاثاء ,17 كانون الأول / ديسمبر

موانئ دبي العالمية تطلق شركة جديدة للخدمات اللوجستية

GMT 11:27 2019 السبت ,14 كانون الأول / ديسمبر

تفاصيل شخصية مي عمر في مسلسل "الفتوة" مع ياسر جلال

GMT 13:41 2019 الخميس ,26 أيلول / سبتمبر

شرطة دبي توقف الخدمات الحضورية في 7 مراكز

GMT 19:51 2019 الأربعاء ,17 تموز / يوليو

سيمون تفاجئ متابعيها على إنستجرام

GMT 15:18 2019 الإثنين ,07 كانون الثاني / يناير

إطلالة حمراء لإملي راتاجكوفسكي في لوس أنجلوس

GMT 19:51 2018 الأربعاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

اختراق مراسلات مسؤولين أوروبيين عن ترامب وروسيا وإيران
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates