«التعاون» الخليجي بين إدارة الأزمات وهندسة النظام الإقليمي

«التعاون» الخليجي بين إدارة الأزمات وهندسة النظام الإقليمي

«التعاون» الخليجي بين إدارة الأزمات وهندسة النظام الإقليمي

 صوت الإمارات -

«التعاون» الخليجي بين إدارة الأزمات وهندسة النظام الإقليمي

بقلم : محمد الرميحي

في التاريخ المعاصر مرَّت منطقة الخليج بمنعطفات كثيرة، منها الحرب العراقية - الإيرانية، وأخطرها الاحتلال العراقي للكويت، على أثر الأول تأسس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، كان الهدف هو تعزيز التنسيق بين دول متجاورة تواجه بيئة إقليمية مضطربة. إلا أن عملية احتلال الكويت أثبتت أن المجلس يجب أن يتجاوز كونه إطاراً للتنسيق، ليصبح جبهة خليجية موحدة رافضة لذلك الاحتلال البغيض، وتطورت مؤسسات المجلس لتصبح من أكثر المؤسسات الإقليمية العربية استمرارية وقدرة على التكيف مع المتغيرات، وجاءت الحرب الأخيرة وتبعاتها، التي لم تتضح بعد، لتضع هذه المؤسسة الإقليمية أمام استحقاقات متغيرة، تحتاج إلى رسم سياسات جديدة لمواجهة احتمالاتها.

لقد نجح المجلس في المحافظة على تماسكه رغم الحروب والأزمات التي شهدتها المنطقة. كما استطاع بناء مستوى متقدم من التعاون الاقتصادي، وتسهيل حركة المواطنين ورؤوس الأموال، إضافة إلى تطوير آليات للتنسيق الأمني في مواجهة التحديات المشتركة. وخلال العقد الأخير اكتسبت دوله وزناً إضافياً نتيجة التحولات الاقتصادية الكبرى التي شملت التنويع الاقتصادي، والاستثمار في التكنولوجيا، وتطوير البنية التحتية، والانفتاح على الاقتصاد العالمي، حتى أصبحت لاعباً على الساحة الدولية. وفي الأزمة الأخيرة ظهر التعاضد التام في تخفيف الأزمات، ففتحت المملكة العربية السعودية أجواءها وموانئها للإمداد والتموين للدول التي تضرَّرت من قفل الأجواء، وقفل مضيق هرمز.

إلا أن السنوات الخمس المقبلة تضع المجلس أمام اختبار مختلف، فالتحدي لم يعد يقتصر على حماية الاستقرار الخليجي، بل يتصل بقدرته على الإسهام في صياغة النظام الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط، بين قوى ليست متنافسة فقط بل متصارعة.

وتبرز أمام المجلس ثلاثة معوقات رئيسية؛ أولها استمرار الأزمات الإقليمية في عدد من الدول العربية في الجوار الأوسع، وما تخلقه من تداعيات أمنية واقتصادية. وثانيها التحولات في النظام الدولي، مع تصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، وتراجع اليقين بشأن شكل التوازنات العالمية المقبلة، وضعف في آليات القوانين الدولية. أما ثالثها فيتمثل في التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة التي تُفرض على الدول المحافظة على قدرتها التنافسية في عالم يتَّجه نحو الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة. أي التحول من الاستثمار في الموارد إلى الاستثمار في العقول.

ورغم هذه التحديات، فإنَّ دول الخليج تمتلك اليوم عناصر قوة تجعلها مؤهلة للعب دور يتجاوز حدودها الجغرافية. فمعظم القوى الإقليمية الأخرى تواجه ضغوطاً داخلية أو اقتصادية أو أمنية، في حين نجحت دول الخليج في الجمع بين قدر من الاستقرار والموارد المالية، وقدرة على نسج علاقات دولية واسعة. وهذه العناصر تمنحها فرصة للانتقال من مرحلة التأثر بالتطورات الإقليمية إلى مرحلة المساهمة في تشكيلها.

ومن هنا تبرز فكرة هندسة النظام الإقليمي على أسس جديدة. فالنظام الجديد لن يبنى على موازين القوة العسكرية وحدها، بل على القدرة على الربط بين الأمن والتنمية، وبين الاقتصاد والاستقرار السياسي. وقد أصبحت دول الخليج تمتلك خبرة متراكمة في هذه المجالات نتيجة التجارب التي خاضتها خلال العقدين الماضيين، واكتسبت قدرة على حجز مقعد إلى طاولة رسم السياسات المستقبلية.

ومن المتوقع أن يتركز الدور الخليجي خلال السنوات المقبلة على ثلاثة ملفات رئيسية؛ الأول حماية الممرات البحرية الدولية وأمن الطاقة، وهما أمران يرتبطان مباشرة بالاقتصاد العالمي. والثاني دعم استقرار الدول العربية الخارجة من الصراعات، مثل سوريا، من خلال الاستثمار وإعادة الإعمار والمساعدة في بناء المؤسسات الوطنية، أما الثالث فهو توسيع دور الوساطة السياسية؛ حيث أثبتت بعض العواصم الخليجية خلال السنوات الأخيرة قدرة متزايدة على بناء جسور التواصل بين أطراف متنافسة إقليمياً ودولياً.

كما أن نجاح مشروعات التحول الاقتصادي الكبرى في الخليج سيضيف بُعداً جديداً للقوة الخليجية. فالقوة في القرن الحادي والعشرين لا تقاس فقط بعدد الجنود أو حجم الإنفاق العسكري، بل أيضاً بقدرة الدول على جذب الاستثمار والتكنولوجيا والكفاءات البشرية. وكلما تعززت هذه المكانة، ازدادت قدرة الخليج على التأثير في البيئة الإقليمية المحيطة به.

ويلفت النظر عدد من الدراسات الحديثة من باحثين أو مؤسسات غربية أشارت إلى التحول في الدور والمكانة لدول الخليج، منها على سبيل المثال كتاب ديفيد روبرت (2024) بعنوان «الخليج الجديد»، ودراسة طارق يوسف (2023) «الخليج: الجغرافيا الاقتصادية». وعدد آخر من الدراسات تلخص تنامي الدور الكيفي لدول الخليج في الاقتصاد العالمي، وذلك لم يحدث إلا بوجود عقول تدير هذا التحول بوعي، ما يوصلنا إلى نتيجة؛ هي أن مجلس التعاون يدخل مرحلة جديدة من تاريخه. فبعد أن كان هدفه الأساسي إدارة المخاطر، أصبح مطالباً بالإسهام في صناعة الفرص. وإذا نجح في تعزيز تكامله الداخلي وتطوير رؤية مشتركة للأمن والتنمية والاستقرار، فقد يتحول خلال السنوات الخمس المقبلة إلى أحد أهم مهندسي النظام الإقليمي المقبل. فالمستقبل لن يكون لمن يملك القوة، بل لمن ينجح في تحويل القوة إلى استقرار، والاستقرار إلى تنمية، والتنمية إلى نفوذ مشروع ومستدام.

آخر الكلام: مَن يُحسن قراءة اللحظة يحجز مكانه في صناعة الغد.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«التعاون» الخليجي بين إدارة الأزمات وهندسة النظام الإقليمي «التعاون» الخليجي بين إدارة الأزمات وهندسة النظام الإقليمي



GMT 17:00 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

إميل حبيبي

GMT 16:59 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

شطرنجيات بقائي

GMT 16:58 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

«اتفاقية مكة»... نضج استراتيجي إقليمي

GMT 16:56 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

سياسات نفطية

GMT 16:54 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

الرياض وباريس... قرنٌ من الشراكة

GMT 16:53 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

واشنطن و«حزب الله»... ملاحقة كاشفة

GMT 16:53 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

بين لبنان النموذجي و«المناطق النموذجية»

ليلى زاهر تستقبل طفلتها الأولى وتلهم الحوامل بإطلالات راقية

دبي - صوت الإمارات
شاركت النجمة المصرية الشابة ليلى أحمد زاهر متابعيها خبر استقبال مولودتها الأولى "إيلا" من زوجها المنتج هشام جمال، لنستعرض أبرز إطلالاتها الملهمة خلال مرحلة الحمل، والتي اتسمت بالرقي ومواكبة الموضة بأسلوب ناعم يبرز أنوثتها ووقارها. تألقت ليلى في ظهور إعلامي برفقة زوجها بفستان انسيابي بقصة "درابيه" واسعة من توقيع دار "لويس فويتون"، تميز بكسرات خفقت ملامح قوامها وطبعات ورود باهتة بلون السيمون، ونسقت معه حقيبة مطابقة وتسريحة ذيل حصان عالٍ. وفي أول إعلان رسمي عن حملها تحت الأضواء خلال مشاركتها في مهرجان كان السينمائي، استعرضت حملها بفستان سهرة أبيض محدد القوام من تصميم رامي قاضي، جاء بأكمام طويلة وأطراف مزينة بطبقات الريش المتدرجة مع ذيل خلفي طويل. وحافظت النجمة الشابة على أسلوبها الناعم في مناسبات السهرة باخ...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 01:44 2020 الأربعاء ,15 كانون الثاني / يناير

تعرف على سعر الدرهم الاماراتى مقابل الريال سعودي الثلاثاء

GMT 09:20 2019 الخميس ,31 تشرين الأول / أكتوبر

راشد النعيمي يعزي في وفاة خميس السويدي

GMT 10:25 2021 الثلاثاء ,07 أيلول / سبتمبر

أبراج تدعمك وتقف بجانبك في المواقف الصعبة

GMT 20:19 2019 الثلاثاء ,17 كانون الأول / ديسمبر

موانئ دبي العالمية تطلق شركة جديدة للخدمات اللوجستية

GMT 11:27 2019 السبت ,14 كانون الأول / ديسمبر

تفاصيل شخصية مي عمر في مسلسل "الفتوة" مع ياسر جلال
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates