بأى حال صار النظام الإقليمى العربى

بأى حال صار النظام الإقليمى العربى!!

بأى حال صار النظام الإقليمى العربى!!

 صوت الإمارات -

بأى حال صار النظام الإقليمى العربى

بقلم - الكاتب جميل مطر

أذكر نقاشًا دار قبل حوالى خمسة وأربعين عامًا مع الصديق غسان سلامة حول العنوان المناسب لكتابنا «النظام الإقليمى العربى». كان اختيارنا، على الدين هلال وأنا، عنوان «النظام القومى العربى» وهو الاختيار الذى أعرب غسان عن عدم اتساقه مع مخطوطة الكتاب باعتبار أنه، وأقصد العنوان، يعكس اتجاهًا غائيًا ولا يعبر عن المناقشة الموضوعية والواقعية التى تضمنها المحتوى ويفترض أن يعكسها عنوان الكتاب.
• • •
تصادف الأيام التى نعيشها الآن اشتعال قضيتين تحتلان موقع الأهمية فى قائمة انشغالات العالم. القضيتان هما قضية فلسطين وقضية أوكرانيا. يجمع بينهما أنهما أعادا إلى الأذهان وإلى ساحة العلاقات الدولية الأهمية الفائقة التى كانت تحتلها العقيدة عند مناقشة أسباب اشتعال نزاعات دولية كبرى وبخاصة الحروب العظمى. العقيدة فى الحالتين، أقصد حالة حرب روسيا وأوكرانيا وحالة حرب إسرائيل تدعمها أمريكا ضد الشعب الفلسطينى أينما وجد وكيفما وجد، هى القومية والتزام الأمم بها. الجدير بالملاحظة والتوقف عندها أنه فى الحالتين وقفت دولتان أعظم، كل منهما، ضد طرف أصغر حجما وأضعف قوة، وفى الحالتين ترتب على تفاوت القوة مقاومة عنيفة شبهها الطرف الروسى فى النزاع الأوكرانى الروسى بالنازية المتجددة وشبهها الطرف الصهيونى ــ الأمريكى فى القضية الفلسطينية بالإرهاب.
• • •
الدولتان الأعظم، فى الحالتين، تكذبان. وكذب الكبار فى السياسة الدولية كما فى الحياة العادية مسئولية فادحة. الحقيقة الصارخة هى أن الدولتين الأعظم فى الحالتين أيقظتا «جنى» القومية فى أوكرانيا وأوروبا من ورائها، وفى فلسطين والعالم العربى من ورائها.
إلا أن الظن يذهب بالبعض بيننا أحيانا إلى أن القومية العربية ربما أدت دورًا ونجحت ثم غابت، أو أنها أدت دورًا وفشلت ثم غابت. المهم أنها فى الحالتين غابت. ذهب بنا الظن نفسه إلى أن الصراعات بين القوميات الأوروبية التى تسببت فى إشعال عديد الحروب فى القارة بعد نشوب الثورة الفرنسية تقهقر دورها فى العلاقات الأوروبية تحت هيمنة العقيدة الماركسية اللينينية وهيمنة الاتحاد السوفييتى كقوة إمبراطورية فائقة القوة والنفوذ، وأنه مع انهيار الاتحاد السوفييتى وما صاحبه من سقوط مدو للعقيدة الماركسية التقط مثقفون أوروبيون خيط نظريات التكامل وآثارها الإيجابية فى مجالات الاستقرار والسلم والأمن الإقليمى والدولى. بفضل هذا الخيط راحوا ينسجون نظامًا أوروبيًا ينطلق من تجربة متواضعة بطلها مجموعة منتجى الحديد والصلب. كان الهدف إطلاق تجربة تكامل تشمل العدد الأكبر من دول أوروبا لتتعود على التعاون فيما بينها ثم التكامل وفى النهاية اعتناق فكرة «الأوروبيانية» لتحل تدريجيا محل الأفكار الوطنية «الضيقة» كالفكرة الإيطالية والفكرة الألمانية، وكلاهما كان سببًا وطرفًا فى اشتعال حرب عالمية ضروس أنهكت أوروبا حتى صارت صيدا سهلا للدولتين الأعظم.
• • •
فى بداية مشوارها أثمرت الصحوة القومية فى العالم العربى تحرير معظم الأقاليم العربية من الاستعمار الغربى المباشر وأثمرت فى بعض الدول المستقلة تجارب متفرقة نحو انطلاقة اقتصادية واجتماعية. إلا أنه بينما اختارت دول أوروبا لنهضتها إقامة نظام إقليمى تكاملى اختارت الدول العربية المستقلة، وبعضها مستقل شكلا وليس حقيقة، نظاما إقليميا يركز على دعائم انفصالية أو انعزالية فى جوهرها، اختارت نظاما يستبدل الدعوة إلى تكامل الدول الأعضاء بالدعوة إلى التنسيق بينها. حدث هذا بينما راح المعتدلون من القوميين العرب يدعون إلى نهضة تستند نظريا أو مؤقتا إلى أسس ودوافع قومية وليس بالضرورة عبر الاندماج. فى النهاية تحقق ما كان يخشاه التيار القومى نتيجة إصرار الدول العربية على رفض التكامل وإمعانها ممارسة النزاع على الحدود وتغذية النزعات الانفصالية والاعتماد على الأجنبى، إذ تكرست داخل عدد متزايد من الدول العربية نزعات انفصالية منها القبلى ومنها أيضا العرقى والطائفى.
• • •
عدنا نشهد وبكثرة مريعة أحداث اغتيال وتمرد فى عديد المواقع التى تسكنها أقليات من أى نوع. نشهدها بهذه الكثرة فى معظم بلاد المشرق العربى، فى لبنان وفى جولان سوريا المحتل من فترة والمحتل منه للتو، وفى غرب سوريا، وفى شمال العراق وغربه، وفى السودان باستمرارية صارت فريدة لعنفها وديمومتها منذ استقلال السودان. نشهدها فى ليبيا على أيدى ليبيين وبتشجيع من أتراك وأمريكان وفرنسيين وبعض العرب ولعله البعض نفسه اللاعب بفاعلية وسخاء فى السودان واليمن وسوريا وشرق إفريقيا.
• • •
لن ننكر أن النظام الإقليمى العربى نشأ ضعيفا، وبسبب ضعفه وتخلى اللاعبين العرب عن الالتزام بحدوده وحدودهم الدنيا واصل انحداره بدون توقف إلا ربما باستثناء فترة تراكم فيها الفائض المالى العربى ممتزجا بنشوة نصر عسكرى عربى فى حرب حقيقية ضد إسرائيل، وقتها نشطت متأرجحة الرغبة فى تنفيذ مشروعات ظاهرها تكاملى وباطنها إشباع بعض نهم الدول العربية غير المحظوظة ماديا.
• • •
فى الوقت نفسه فوجئنا بدخول إسرائيل لاعبًا غير معلن فى النظام الإقليمى العربى. بدخولها وبالتشجيع الأمريكى الذى دفعها إليه عبر حرب سيناء الثانية وبخاصة قرب نهايتها، صارت التحديات التى تواجه النظام الإقليمى ككل أكثر خطورة ووضوحًا. كان دخول إسرائيل فاعلا فى النظام من داخله ضربة قاصمة لعقيدة النظام التى كانت دائما عند حدها الأدنى فصارت بفضل «ثلاثية معاهدة كامب دافيد» تحت هذا الحد وفى حالات كثيرة أخرجت من الحساب كلية.
• • •
المهم فى الوضع الجديد أنه بغياب عقيدة النظام وبغياب دول عربية تمثل بسكانها أكثر من نصف سكان الأمة العربية تخلقت فى النظام العربى رخصة لدول لتنفذ بحرية سياسات ضارة ببقية الدول وشعوبها. كثيرة هى الحالات التى رصدت، وما زالت ترصد حتى فى يومنا هذا، تفضح مختلف جوانب هذا الوضع وعواقبه.
• • •
كان دخول إسرائيل إلى قلب التفاعلات العربية دافعا مضافا نحو تغيير حال توازن القوى داخل النظام. تبين بما لا يدع مجالا للشك أن الحال الجديد لتوازن القوى السياسى داخل النظام جاء لصالح الإقليم الفرعى الخليجى دون الأقاليم الفرعية الأخرى. هذا الوضع شجع دولا كبرى على استغلاله لتنفيذ مآرب لها كثيرة. لاحظنا مثلا كيف فاجأ الرئيس ترامب العالم بقراره أن تكون الرياض مقرا لمفاوضات السلم حول قضية أوكرانيا بين روسيا وأمريكا مستبعدا فى الوقت نفسه النظام الإقليمى الأوروبى من المشاركة فى المفاوضات حول قضية هى الأهم بالنسبة لأمنه وسلمه ولدوره المستقبلى فى النظام الدولى.
• • •
مرة أخرى يتأكد أن النظام الدولى فى انحداره حرم الدول العربية من الاستفادة من حال التوازن الدولى المألوف لها منذ زمن الحرب الباردة وقبل أن يختل هذا الاختلال الفادح. روسيا منشغلة ومستنفذة بحربها مع أوكرانيا والصين منشغلة بالتقدم على صعيد التكنولوجيا المتقدمة وسباق التسلح وبإقامة قواعد قطبية والاهتمام بتصعيد مناوراتها فى المياه والأجواء التى تفصلها عن تايوان. كله وغيره من باب الاستعداد لحرب تجارية وسياسية مهد بقرب إعلانها الرئيس ترامب خلال حملته الانتخابية.
• • •
توقف العرب عن تعزيز عقيدتهم القومية فعلا ثم قولا. توقف، أو فى الحقيقة، لم تستجب الحكومات العربية لنداءات المنطق والخبراء أن تقيم الأسس والخطط اللازمة للانطلاق نحو مستقبل أفضل على صعيد التكامل الاقتصادى كما على صعيد التكامل الأمنى. ندرك الآن مدى صعوبة الموقف الراهن وحجم تعقيداته على ضوء غياب المكونات الأربعة الضرورية لإقامة وتسيير نظام إقليمى قوى ومزدهر، أقصد غياب العقيدة وغياب خطط ونوايا التكامل الاقتصادى وغياب خطط ونوايا التكامل الأمنى وأخيرا وليس آخرا غياب توازن فاعل للقوى الرائدة فى النظام الإقليمى.
غير خاف ما تلح عليه إسرائيل إعلاميا وسياسيا ويفضى إلى التعود الدولى على التعامل مع الجناح الشرقى من العالم العربى منفصلا عن جانبه الأفريقى ومرتبطا فى أمنه ومستقبله بنظام لشرق أوسط جديد. غير خاف حجم وقيمة ما تنازلت عنه دول عربية فى شرق النظام كما فى غربه من أرصدة عقيدتها وفرص تكاملها ضمن إقليم عربى. غير خاف حجم العجز الهائل فى عمق الإرادة الجماعية العربية وفى مدى التأثير العربى فى الشئون الدولية نتيجة مباشرة لدخول إسرائيل المباشر وغير المباشر فى التفاعلات البينية فى النظام العربى وفى تفاعلات العرب مع الخارج، وتحت وقع الضغوط التى تمارسها دولة عظمى للمحافظة على ما حققه إرهاب الدولة الصهيونية.
• • •
ومع ذلك يظل الأمل كبيرا ومعقودا على صحوة أو وقفة يستعيد بها النظام العربى حيوية أنقذته من أزمات بعضها كان فى هول أزمته الراهنة، وربما أشد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بأى حال صار النظام الإقليمى العربى بأى حال صار النظام الإقليمى العربى



GMT 19:45 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

ثمن الاختيار

GMT 19:44 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

عودة الجغرافيا السياسية والاقتصادية

GMT 19:43 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

لا غضب لا كبرياء

GMT 19:42 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

الإخوان و«المال السايب»

GMT 19:41 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

وثيقة ترمب الأمنية... الانكفاء إلى الداخل

GMT 19:40 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

آثار فعل ارتفاع أسعار النفط

GMT 19:38 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

«لات ساعة مندم»!

GMT 22:20 2026 الإثنين ,11 أيار / مايو

مهزلة «الطيبات»!

سحر التراث المغربي يزين إطلالات النجمات في "أسبوع القفطان" بمراكش

مراكش - صوت الإمارات
شهدت مدينة مراكش أجواءً استثنائية من الفخامة والأناقة خلال فعاليات “أسبوع القفطان المغربي” في دورته السادسة والعشرين، والذي احتفى بجمال القفطان المغربي باعتباره أحد أبرز رموز التراث والأزياء التقليدية الراقية. وحرصت العديد من النجمات والإعلاميات العربيات على الظهور بإطلالات مستوحاة من روح القفطان المغربي الأصيل، بتصاميم مزجت بين الحرفية التقليدية واللمسات العصرية. وتألقت الفنانة غادة عبدالرازق بقفطان باللون الأخضر الزمردي تميز بتطريزات ذهبية كثيفة مستوحاة من الطابع التراثي المغربي، مع حزام مطرز أبرز أناقة التصميم، واختارت تنسيق أقراط مرصعة بأحجار الزمرد مع تسريحة شعر بسيطة على شكل ذيل حصان مرتفع. كما ظهرت مريم الأبيض بإطلالة مشرقة بقفطان أصفر لافت، جمع بين القماش الانسيابي والتفاصيل المعدنية اللامعة، وزُين ب...المزيد

GMT 21:36 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

تتخلص هذا اليوم من الأخطار المحدقة بك

GMT 19:10 2019 الأربعاء ,01 أيار / مايو

النشاط والثقة يسيطران عليك خلال هذا الشهر

GMT 17:05 2019 الأحد ,15 كانون الأول / ديسمبر

هكذا يمكن استخدام المايونيز لحل مشاكل الشعر

GMT 07:33 2019 الأربعاء ,21 آب / أغسطس

نجمات أحدثن تغييرات جذرية بشعرهن في 2019

GMT 01:57 2019 الأحد ,27 كانون الثاني / يناير

الآثار تكتشف مقبرة تحوى 40 مومياء بمنطقة تونة الجبل

GMT 07:59 2018 الأربعاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

نيللي كريم تؤكد اختلاف مهرجان القاهرة السينمائي هذا العام

GMT 00:11 2018 الجمعة ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

جوزيه مورينيو يدافع عن سخريته من جماهير "اليوفي "

GMT 16:38 2015 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

الطقس في البحرين رطب عند الصباح ودافئ خلال النهار

GMT 20:55 2013 السبت ,29 حزيران / يونيو

دراسة أميركية تكشف ما يجري داخل أدمغة الأطفال

GMT 13:52 2015 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

نورهان سعيدة بـ"حب لا يموت" وتخشى المسلسلات الطويلة

GMT 04:26 2017 الأحد ,07 أيار / مايو

"العراق" تشيد بدور منظمة المرأة العربية

GMT 02:57 2017 الإثنين ,13 شباط / فبراير

مانشستر سيتي يحاول ضم مهاجم الريال باولو ديبالا
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates