المحتوى وثورة مصر الثانية

المحتوى وثورة مصر الثانية!

المحتوى وثورة مصر الثانية!

 صوت الإمارات -

المحتوى وثورة مصر الثانية

بقلم - عبد المنعم سعيد

 

يقال فى الفلسفة إن التطورات الكمية تتحول عند تراكمها وزيادة كثافتها وسرعتها فى تحقيق أهدافها إلى تغيرات نوعية تجعل ما سوف يأتى يختلف عما فات. فى علوم التطور يقال عن ذلك «طفرة»، وفى العلوم الإنسانية يقال عنه «ثورة»، وفى الزمن هى اللحظة التى يتغير فيها الإنسان من التخلف والتقدم، والمحلية إلى العالمية، والتنوير فى الفكر بدلا من الظلام. خلال المرحلة الراهنة بعد ثورة ٣٠ يونيو يجرى الحديث عن «بناء الإنسان»، ويقال ذلك من رئيس الدولة والحكومة، والدعاة على المنابر، والأساتذة فى المدارس والجامعات. التطور الكمى جرى فى تثبيت أركان الدولة، والشروع فى إصلاح البنية الأساسية والتوسع العمرانى بأكثر مما قدر فعله فى المراحل السابقة. الأرضية التى نبتت منها القصة تعود مع كاتب السطور إلى ٩ فبراير ٢٠١٧ عندما انعقدت الندوة التثقيفية للقوات المسلحة وكنت متحدثا فيها. كانت المهمة وقتها هى كيف يمكن للبلاد أن تواجه أهل الشر وحملاتهم الإعلامية والسياسية التى تتوازى مع حرب إرهابية ضروس سقط فيها الشهداء والجرحى؟ قام الجيش وقوات الأمن بواجبهم فى المواجهة المادية بالنار واللهب، لكن كانت القضية متعلقة بالوعى وتجديد الفكر الدينى فى معركة ضرورية لضمان الاستدامة. وقبل أن يمر عام على الندوة كان الإرهاب العنيف قد تم القضاء عليه وإغراق وسد أنفاقه على الحدود المصرية مع غزة..

وبينما كان الحديث فى الندوة يدور حول مواجهة الحملات الشرسة للإخوان المسلمين على الداخل المصرى فإنه بعد القضاء عليهم وفروعهم فى الداخل، فإن هجماتهم الإعلامية تزايدت واضطردت بأدوات مختلفة صحفية وتليفزيونية وإلكترونية. بلغ أعداء ثورة يونيو تحالفا ضم جماعات مختلفة يمينا ويسارا، وجدت فى أدوات التواصل الاجتماعى وسيلة ليس فقط للتواصل، وإنما لبث الفتنة والشك والإحباط.

وُلد المشروع الوطنى المصرى مع ثورة يونيو ٢٠١٣، وكرد فعل لما أدت إليه أحداث يناير ٢٠١١، بدءا من هيمنة تنظيم الإخوان المسلمين الإرهابى على السلطة السياسية، وما تبعه من تعرض البلاد لأخطار اقتصادية واجتماعية وأمنية بالغة. ومع انتخاب الرئيس عبدالفتاح السيسى فى يونيو ٢٠١٤ بدأت عملية بلورة هذا المشروع الوطنى. وثائقيا تمت ترجمة هذا التوجه الإصلاحى فى دستور ٢٠١٤، ثم فى رؤية مصر ٢٠٣٠، ومجموعة الوثائق المهمة الصادرة خلال السنوات الأخيرة (الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، سياسة ملكية الدولة، وغيرها). وعمليا، نجحت مصر فى تحقيق مجموعة من الإنجازات المهمة، واعتبارا من العام المالى ٢٠١٤/ ٢٠١٥ وحتى العام المالى الحالى ٢٠٢٤/٢٠٢٣ لم يحدث فى أى عام إلا أن مصر حققت نموا إيجابيا، وبلغ الناتج المحلى الإجمالى ضعف ما كان عليه خلال نقطة البداية وتضاعف العمران المصرى. أضف إلى ذلك إطلاق حزمة المشروعات القومية التنموية، وبرنامج الإصلاح الاقتصادى والمالى فى عام ٢٠١٦.

الفلسفة التى قام عليها المشروع الوطنى جاءت من حقيقة أنه خلال العقدين الأخيرين نجح ملياران من البشر، معظمهم من الصين والهند، فى العبور من الفقر إلى الطبقة الوسطى. ولم يجر ذلك دونما تحمل تكاليف الانتقال والتنمية.

لقد انطلق المشروع الوطنى المصرى من خلال محركات قوامها تغيير الجغرافيا التنموية المصرية من النهر إلى البحر، واختراق الإقليم المصرى من سيناء إلى الصحراء الغربية، وإدارة الثروات المصرية الكبيرة وليس إدارة الفقر، والتنمية من أجل التصدير اعتمادا على قطاعات الاقتصاد الحقيقى، الزراعة والصناعة، والخدمات. ويجرى كل ذلك أيضا من خلال دولة وطنية يعيش فيها مواطنون متساوون فى الحقوق، وتطور حقيقى فى الفكر المدنى، مع بناء قاعدة تعليمية وعلمية ترفع من قدرات التنمية المصرية إلى آفاق جديدة.

الحملات التى تعرض لها المشروع أخذت شكل التراكم الكمى الكبير والكثيف الذى لا يطرح مشروعا وطنيا آخر، وإنما فى إنكار الحاجة المصرية إلى كل ما تحقق، ونحت الليبراليون تعبير «فقه الأولويات» دون تحديد بدائل شاملة، وإنما طرحوا ما هو معروف بالبديهة وهو تطوير التعليم والصحة. الطرح لم يكن شاملا ولا كان مدركا لحقائق الزيادة السكانية التى بلغت خلال عشر سنوات عشرين مليون نسمة وما أضيف لهم من لاجئين ومهاجرين. باختصار ونتيجة الظروف الاستثنائية التى تولدت عن الحرب الإرهابية جائحة الكورونا والحرب الأوكرانية، ومؤخرا حرب غزة فإن الأزمة المالية التى تولدت عنها فى شكل التضخم والغلاء وارتفاع الأسعار خلقت لحظة انكشاف للاستياء العام. باتت هناك فجوة قابلة للاتساع ما بين الرأى العام والمشروع الوطنى المصرى.

الخطأ لم يكن فقط فى المعلومات والمعرفة بأصول التفكير فى المشروع، والتعرف على القائمين عليه والمفكرين له وخطوات التحرك فيه تجاه الأهداف المباشرة لخدمة كافة أنحاء القطر المصرى. وإنما يكون الخطأ الأكبر ناتجا فى عدم استغلال المصريين للمشروعات القائمة والإقبال عليها. إن التحول المصرى الذى خلق العمران من نهر النيل إلى البحر سواء كان الأبيض أو الأحمر، وقريبا حول خليجى السويس والعقبة فى سيناء، لن يكتمل ما لم ينتقل إليه البشر المصرى.وهنا تحديدا توجد الحاجة إلى الإعلام المصرى لكى يرتبط عضويا بعملية التنمية بحيث يعلم ويشرح ويحفز «تشغيل التغيير» الذى جرى فى مصر، وعلى سبيل المثال فإن رئيس الدولة والحكومة لا يكفان الحديث عن القطاع الخاصة والاستثمارات الخاصة من الداخل والخارج. ومع ذلك وبعد الإشارة إلى التصريحات فإن الصمت يصبح مدويا دون إشارة أو علامة أو مناقشة أو حوار أو عرض لمحتوى التجارب المماثلة. تكثيف المحتوى العلمى، فضلا عن نشر التفكير العلمى، بات من احتياجات مصر الأساسية.

أحد العوامل المهمة التى تقف وراء ضرورة تطوير المحتوى بالمؤسسات الصحفية القومية، وفى مقدمتها مؤسسة الأهرام، هو الحاجة إلى تعزيز دور الصحافة، ودور الإعلام بشكل عام، فى اتجاه دعم المشروع الوطنى المصرى.

نحن بحاجة إلى صحافة تقف وراء هذا المشروع الكبير، تتوافق مع لغته ومع أولوياته، ومع أدواته أيضا. وعلى الرغم من الاهتمام الذى توليه الصحافة القومية بالمشروع الوطنى، لكن المعالجات الصحفية مازالت تعانى من الضعف والقصور، وعدم فهم فلسفة هذا المشروع، وأبعاده المختلفة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المحتوى وثورة مصر الثانية المحتوى وثورة مصر الثانية



GMT 00:04 2026 الجمعة ,11 أيلول / سبتمبر

المحتوى والخريطة الذهنية

GMT 00:03 2026 الجمعة ,11 أيلول / سبتمبر

الجمود العقلى

GMT 00:02 2026 الجمعة ,11 أيلول / سبتمبر

الرحلة 93 !

GMT 00:01 2026 الجمعة ,11 أيلول / سبتمبر

تريند المحافظ!

GMT 00:01 2026 الجمعة ,11 أيلول / سبتمبر

الُمعلِّمُ... وانكسارُ المرايا!

GMT 00:00 2026 الجمعة ,11 أيلول / سبتمبر

هوامش وقشور (1)

GMT 23:59 2026 الخميس ,10 أيلول / سبتمبر

«سيد درويش» ويوم الموسيقى!

GMT 23:58 2026 الخميس ,10 أيلول / سبتمبر

نريد أولًا.. ورابعًا

النجمات العربيات يخطفن الأنظار بإطلالات تراثية في مهرجان فينيسيا

فينيسيا - صوت الإمارات
شهدت السجادة الحمراء لفعاليات مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في دورته الـ83 حضوراً لافتاً للنجمات والمشاهير العرب وأصحاب الأصول العربية، اللاتي تألقن بتصاميم جمعت بين الفخامة والعصرية إلى جانب الأزياء التراثية. وكان من أبرز الإطلالات ظهور المؤثرة مريم محمد بثوب فاخر مستوحى من التراث الإماراتي باللون الأسود المطرز بالخرز والشراشيب مع مجوهرات ذهبية تقليدية. بينما تألقت الإعلامية ريا أبي راشد بفستان أبيض مطرز، وآخر فضي بأسلوب الكاب، إلى جانب فستان عنابي بياقة كاشفة للأكتاف وشال طويل. كما ظهرت الفنانة يارا السكري بإطلالتين لافتتين؛ الأولى بفستان عاجي من الدانتيل وياقة من الفرو، والثانية بفستان أسود مطرز بالريش والخرز. وتألقت المؤثرة زينب البلوشي بفستان عاجي محدد للقوام، بينما اختارت المخرجة التونسية كوثر بن هنية فستان...المزيد

GMT 19:51 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

النظام الغذائي الأفضل لصحة الكبد وضبط سكر الدم
 صوت الإمارات - النظام الغذائي الأفضل لصحة الكبد وضبط سكر الدم

GMT 17:29 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أمامك فرص مهنية جديدة غير معلنة

GMT 08:53 2020 الأربعاء ,01 تموز / يوليو

ما كنت تتوقعه من الشريك لن يتحقق مئة في المئة

GMT 01:32 2018 الثلاثاء ,27 آذار/ مارس

عمرو يوسف وصبا مبارك يصوران "طايع" فى سقارة

GMT 15:26 2017 الخميس ,28 كانون الأول / ديسمبر

ليلى علوي سعيدة بتكريم الفنان سمير صبري لوالدتها

GMT 00:39 2019 الإثنين ,08 إبريل / نيسان

الويلزي غاريث بيل يضع ريال مدريد في أزمة كبيرة

GMT 13:51 2019 الإثنين ,14 كانون الثاني / يناير

مصر تُطالب لندن باستئناف الرحلات إلى شرم الشيخ

GMT 23:14 2018 الخميس ,04 تشرين الأول / أكتوبر

خطة الحكومة في هيكلة قطاع الأعمال العام

GMT 06:05 2014 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

قطاع الأخبار المصري يستعد لنقل الاحتفالات بالعام الجديد

GMT 08:39 2014 الأحد ,26 تشرين الأول / أكتوبر

روسيا تتجسس على الاتحاد الأوروبي وتكشف معلومات خطيرة

GMT 19:10 2017 الخميس ,12 تشرين الأول / أكتوبر

التركية مريم أوزيرلي تنضم إلى مشروع "فرصة ثانية" الخيري

GMT 23:35 2017 الإثنين ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

معرض الشارقة الدولي للكتاب يناقش "مبررات الكتابة الغامضة"

GMT 20:09 2017 الثلاثاء ,10 تشرين الأول / أكتوبر

إصنعي بنفسك مثبت الماكياج الخاص بكِ في المنزل

GMT 04:03 2022 الجمعة ,21 تشرين الأول / أكتوبر

زيلنيسكي يكشف عدد المسيرات الإيرانية التي تم إسقاطها
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates