السلام والهوية والعيش المشترك

السلام والهوية والعيش المشترك

السلام والهوية والعيش المشترك

 صوت الإمارات -

السلام والهوية والعيش المشترك

بقلم - عبد المنعم سعيد

 

لم تكن مفاجأة أن اتصل بي الأستاذ رضوان السيد طالباً مشاركتي بورقة وحديث في مؤتمر عن «السلام والهوية والعيش المشترك»، تعقده جامعة محمد بن زايد، في حضور قامات فكرية من العالمَين العربي والإسلامي. الحضور غلب عليه التخصص في أمور الشريعة والقدرة على تبيان ما في الدين الإسلامي من قدرات نبيلة إزاء السلام والهوية والعيش المشترك؛ وكان كامناً في القول مواجهة فكر المستشرقين؛ ومواجهة ما جاءت به التنظيمات الإرهابية للإسلام السياسي. من ناحيتي حيث «العلوم السياسية» و«صناعة السلام» التي قدّرت شجاعة المنظمين في نظر القضية في زمن ذاعت فيه الحروب. الموضوع عاد بي إلى موضوع الهوية بعد قرابة ستة عشر عاماً من المشاركة في بحث عن الهوية في بلد، ويجعل من ينتمون إليه تميزاً خاصّاً، وإنما كيف نجعل الهوية حقيقة ديناميكية وليست تراثية فحسب. خلاصتها فيما يخص الإمارات هو صورة الاحتفاء بالتجربة القائمة على التنوع والتعددية والفيدرالية القائمة على التعاضد والتواصل، ولا تعرف الانقسام والتقسيم. ماضي التجربة وقتها بات شاهداً على ما كان لدى المؤسسين الأوائل من حكمة؛ حيث التاريخ مدرسة حية في إنشائها ومعدنها ومحتواها. الزمن فيها ليس ما مضى، وإنما هي حالة مستمرة من الصيرورة في زمن آتٍ: المستقبل. وقتها كانت تجربة الإمارات قد سارت شوطاً في توليد الطاقة الشمسية، وولدت مدينة مصدر، والآن فإن المدينة صارت علامة، وباتت للإمارات اختراقات في الفضاء ما بين القمر والمريخ. صارت الهوية علاقة ما بين الماضي والحاضر والمستقبل موصولة ومتصلة.

لم يكن كتاب الهوية وقتها أكثر من استخلاص ما هو سائد، ورغم وجوده فإنه يؤخذ بالتسليم «For granted»، وليس حقيقة ديناميكية تحتاج دائماً إلى الطاقة والعنفوان. وجاء الواقع والسياسة بمفهوم الأخوة الإنسانية مجسداً ما بين الفاتيكان والأزهر تبشيراً بأن الإنسان قادر على اختراق حواجز بين الشرق والغرب والعرب والعالم. هذه المرة فإن الهوية بوصفها مفهوماً معقداً، مرتبطة بمفهوم لا يقل تعقيداً: السلام الذي يخص الإنسان منفرداً في حياته حيث السلامة والاطمئنان، ومماته حيث الرقاد في سلام أبدّي. كلاهما؛ الهوية والسلام في العلوم السياسية، يرتبط بمفهوم ثالث معقد هو الآخر، وهو الدولة التي يمكن أن نمسك بها جغرافياً عن طريق حدودها، وسياسياً عن طريق سلطتها، واجتماعياً على ما لشعبها من إدراك للشخصية الوطنية التي تُميز عن الآخر، وحماسية تتطلب الدفاع والدم والاستشهاد أو الوطنية، وتتحفز عند رفع العلم، وتصرخ عند الفوز في مباراة لكرة القدم! وإذا كان تعريف علم السياسة أنه علم توقيع الموارد والقيم، فإنها ترتبط بالمواطن الذي يدفع الضرائب، ويفتدي الوطن بينما تقدم الدولة الأمن والسلام.

السلام هو مفهوم يمس المجتمع كذلك في استقراره وفورانه، وانفتاحه وانغلاقه، والدولة في مركزيتها ولا مركزيتها، وسلطويتها وديمقراطيتها. السلام في كل الأحوال يخلق استمرارية في أنماط التفكير وإدارة الدولة وتنظيم المجتمع، ويرفض قطع هذه الاستمرارية عن طريق انقطاع عنيف. المنظومة المركبة هذه تأخذ الهوية وتدفعها عندما تتصاعد التناقضات في الفكر الإنساني، والطبقات الاجتماعية، وعند الحدود التي تفصل. هنا يقدم لنا علم العلاقات الدولية التهديد الذي يرد على حدود الدولة، وعلى تكامل مجتمعها، وشرعية سلطتها، ويقدم المراجعة لهويتها. قيمة السلام تتصاعد عندما يتمكن الكيان السياسي من تحقيق مصيره، معلناً عن مولد في المجتمع الدولي يُشكل إضافة للحياة الإنسانية العابرة للحدود والدول. ويتصاعد السلام أكثر عندما تستمر الهوية على تماسكها، وتستطيع الحدود البقاء من دون اختراق، والمجتمع على تماسكه الفكري والطبقي. باختصار تزداد المناعة ضد الفرقة في الهوية والافتراق بين الجماعات والاختراق للحدود.

مفهومان في العلاقات الدولية يؤثران على سلامة الدولة وهما: «الجيوسياسية» و«الجيواقتصادية»، الأول تنافسي والثاني تعاوني. الأول يُحدد الإطار الجغرافي للعلاقات الإقليمية كما يُحدد مدى تكلفة الدفاع عن الدولة. والثاني يضع أساس العائد من الاتساع والإضافة. الاختيار هنا يجعل العقل واقعاً داخل الهوية الوطنية وقدرتها على الدفاع، وتحمل مسؤولية انتهاز الفرص وتجنب الصراع. التحدي القائم أمام الهوية في عصرنا هو غياب الجغرافيا التي عندما ينفخ فيها الزمن تصير تاريخاً، فإذن هي عند الزوال في الحالة السبرانية تصير حالة كونية ليست شريرة بالضرورة ولكنها كما هي حال الإنسان لها فجورها وتقواها. هي مهمة الأجيال الجديدة لكي تُشكل الهوية في عالم اللاحدود، وحيث الزمن غارق في النسبية، وحيث كوكب الأرض إذا كان لا يزال باقياً يدفع أثماناً غالية لتحديات الهوية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السلام والهوية والعيش المشترك السلام والهوية والعيش المشترك



GMT 01:24 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

أجمل هدف لم يأتِ فى الدورى!

GMT 01:22 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

مشهد رخيص من موسكو

GMT 01:20 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كروان السينما «المُلك لك لك لك»

GMT 01:17 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سنة أولى برلمان

GMT 01:15 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

GMT 01:13 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

السيادة الوطنية... مبدأ تحت الحصار

GMT 01:11 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

عبد الرحمن الراشد... ومشروع «النَّاصرية»

GMT 01:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

البيت الأبيض وامتياز التفاوض

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض - صوت الإمارات
سجّلت النجمات السوريات حضوراً لافتاً في حفل Joy Awards 2026، حيث تحولت السجادة البنفسجية إلى مساحة استعراض للأناقة الراقية والذوق الرفيع، في مشاركة حملت رسائل فنية وجمالية عكست مكانة الدراما السورية عربياً. وتنوّعت الإطلالات بين التصاميم العالمية الفاخرة والابتكارات الجريئة، في مزيج جمع بين الكلاسيكية والعصرية، وبين الفخامة والأنوثة. كاريس بشار خطفت الأنظار بإطلالة مخملية باللون الأخضر الزمردي، جاءت بقصة حورية أبرزت رشاقتها، وتزينت بتفاصيل جانبية دقيقة منحت الفستان طابعاً ملكياً. واكتملت إطلالتها بمجوهرات فاخرة ولمسات جمالية اعتمدت على مكياج سموكي وتسريحة شعر كلاسيكية مرفوعة، لتحتفل بفوزها بجائزة أفضل ممثلة عربية بحضور واثق وأنيق. بدورها، أطلت نور علي بفستان كلوش داكن بتصميم أنثوي مستوحى من فساتين الأميرات، تميز بقصة مكش...المزيد

GMT 18:01 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 04:53 2022 الجمعة ,24 حزيران / يونيو

تسريحات شعر قصير للعروس في 2022

GMT 13:26 2019 الثلاثاء ,02 تموز / يوليو

رُشِّحت لجائزة نوبل في الأدب لعام 2009

GMT 13:42 2021 الأحد ,16 أيار / مايو

مكتوم بن محمد رئيساً لديوان حاكم دبي

GMT 11:55 2019 الجمعة ,20 كانون الأول / ديسمبر

قائمة من فقدوا لقب "ملياردير" خلال 2019

GMT 09:49 2015 السبت ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

زلزال قوته 7 درجات يضرب جنوب غرب اليابان

GMT 12:35 2018 الخميس ,10 أيار / مايو

شرطة أبوظبي تحقق أمنية طفل بأن يصبح ضابطًا

GMT 16:31 2016 الثلاثاء ,19 كانون الثاني / يناير

اعصار يدمر منازل قرب شيكاجو وسقوط إصابات

GMT 17:55 2020 الخميس ,07 أيار / مايو

هجمات على الليرة التركية من لندن

GMT 04:41 2019 الجمعة ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

ثقب أسود جديد في "درب التبانة" بحجم أكبر 70 مرةً مِن الشمس
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates