ذكاء بلا أخلاق

ذكاء بلا أخلاق

ذكاء بلا أخلاق

 صوت الإمارات -

ذكاء بلا أخلاق

بقلم - سوسن الأبطح

بدا نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، في أثناء مشاركته في قمة الذكاء الاصطناعي التي انتهت في باريس يوم الثلاثاء الماضي، صورة عن الرئيس دونالد ترمب، في خطابه الانعزالي والتشاوُفي، المتبرّم. يبقى أن تعامُل الولايات المتحدة على أنها فوق بقية الدول وأن الجميع بحاجة إليها حتى أولئك الذين تستورد منهم، فيما هي مكتفية بنفسها، مسألة لا يمكن أن تستقيم. فأميركا لا تعيش من دون سيارات المكسيك وأيديها العاملة، وبترول كندا، وعقول الهند وأدويتها وهواتفها، ومعادن الصين ولابتوباتها وملابسها.

فانس في الإطلالة الأولى له على العالم بعد تعيينه تكلم أمام الحاضرين بكلمات جافة ومتعالية، ليقول إن أميركا رائدة العالم في الذكاء الاصطناعي وستبقى مهيمنة على القمة، ولن تتخلى عن هذه الفرصة أبداً، ثم انسحب من دون أن يستمع لزملائه من المتحدثين الآخرين، كأنما لا حاجة به إلى تجاربهم وآرائهم.

حذَّر فانس زعماء العالم من إبرام اتفاقات مع «أنظمة استبدادية» توفر «تكنولوجيا رخيصة»، في هجومٍ مبطَّن على الصين الممثَّلة في القمة، لأن هدفها التسلل إلى البنية التحتية لمعلومات الناس والاستيلاء عليها.

كل هذا وصدمة «ديب سيك» لا تزال حاضرة. والهند قد تفاجأ في أي لحظة بما لم يكن في الحسبان. وأوروبا بدورها تتحدث للمرة الأولى عن «نهضة» تذكِّرنا بمخاض «النهضة العربية»، وتدخل سباق الذكاء الاصطناعي بشروطها ورؤيتها وفلسفتها الخاصة، راسمةً طريقاً ثالثاً مختلفاً عن النموذج الأميركي المتضخم، والصيني المحافظ. ثمة اعتقاد لديهم أن اللحاق بالركب في هذا المجال بالذات ممكن دائماً، لا بل التفوق على الرواد أيضاً.

المشاريع الأميركية عملاقة، وأقطابها من سام ألتمان إلى إيلون ماسك وزوكربيرغ، يحصدون إعجاب العالم. لكن الأرحام ولَّادة، وفي لمح البصر ظهر ليانغ وينفينغ (39 سنة) مؤسس «ديب سيك» في الصين ليلمع نجمه. وها هي فرنسا تقدّم لنا نموذجها الخاص «ميسترال» وعلى رأسه شاب صغير أيضاً هو أرثور مانش يقود تجمعاً تنضم إليه 60 شركة بينها «مرسيدس» و«سيمنس» و«إيرباص» و«لوريال». وتعتقد أوروبا أن بمقدورها جمع 200 مليار يورو للدفع بمشروعها الذكي. أما أرثور فيتحدى ويقول بثقة إن أوروبا ستردم الهوَّة بفضل «مهاراتها البشرية الهائلة»، وستستعيد الطاقات المهاجرة إلى أميركا، لا بل ستجتذب الأميركيين أنفسهم الذين سيهجرون الأجواء المغلقة التي يحاطون بها.

أجواء التحدي هذه يولِّدها إحساس أوروبي بجفاء الحليف الأميركي، ورفض التنسيق والتعاون ولو بالحد الأدنى. ففي نهاية القمة رفضت أميركا والمملكة المتحدة توقيع الوثيقة الختامية المشتركة التي وافقت عليها كل الدولة المجتمعة، وبينها الصين واليابان والهند وفرنسا، وهي تؤكد ضرورة «أن يكون الذكاء الاصطناعي مفتوحاً وشاملاً وشفافاً وأخلاقياً وجديراً بالثقة... مع مراعاة أطر دولية للجميع».

وهو ما عدَّه فانس «إفراطاً في التنظيم» من شأنه أن «يقتل صناعة تحويلية في وقت مبكر من انطلاقها».

وبطبيعة الحال لحقت المملكة المتحدة بحليفتها رغم أن رئيس وزرائها السابق ريشي سوناك، كان من أنصار فكرة سلامة الذكاء الاصطناعي، وأول من دعا إلى قمة ناقشت هذه الموضوع.

وكان يمكنك أن تلتمس للدولتين أعذاراً لولا الخطاب الاستباقي الذي قدمه فانس، معتبراً بلده خارج هذا المشروع التنسيقي العالمي، وأرفع منه وأهمّ.

وبينما كان الذكاء الاصطناعي قبل شهر فقط صناعة يمكن اعتبار أميركا على قمتها حصراً، لأنها مكلِّفة، وتطويرها بعيد المنال، فتح «ديب سيك» طاقة أمل حقيقية للعالم أجمع وأولهم الأوروبيون، بتقنياته التبسيطية، وحاجته إلى قدر معقول من الطاقة، وتكاليفه المتواضعة. بل يبدو أن شباناً أوروبيين، بعيداً عن الإعلانات السياسية الضوضائية، يتواصلون مع زملائهم الصينيين في «ديب سيك»، ويتبادلون معهم الخبرات، ولو لم يعجب ذلك السيد فانس.

رغم نزعة الانغلاق، وهيمنة التطرف على السلطات الحاكمة في هذا العالم، فإن شبَّانه يقاومون عجائزهم الآتين من زمن حمائيات القرن التاسع عشر وإمبراطورياته، ويسعون لنمط آخر من التعاون والتقارب.

ولا ننسى أن للدول تطلعاتها وخفاياها أيضاً. ولعل الوجه السلميّ للذكاء الاصطناعي الذي نتحدث عن خطره باستمرار، ليس غايةَ ما يُخشى منه بالضرورة، بل كل الخوف أن يكون التكتم أهمُّ أسبابِه حفظُ أسرار صناعات الأسلحة التدميرية الكبرى التي يراد لها أن تبقى طيَّ الكتمان لمفاجأة الصديق قبل العدو.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ذكاء بلا أخلاق ذكاء بلا أخلاق



GMT 16:59 2026 الثلاثاء ,28 إبريل / نيسان

سؤال غير محترم!

GMT 16:54 2026 الثلاثاء ,28 إبريل / نيسان

سؤال غير محترم!

GMT 01:24 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

أجمل هدف لم يأتِ فى الدورى!

GMT 01:22 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

مشهد رخيص من موسكو

GMT 01:20 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كروان السينما «المُلك لك لك لك»

GMT 01:17 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سنة أولى برلمان

GMT 01:15 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

GMT 01:13 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

السيادة الوطنية... مبدأ تحت الحصار

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس - صوت الإمارات
تحرص الفنانة درة على تقديم إطلالات يومية متجددة تعكس أسلوبًا عمليًا وأنيقًا في آنٍ واحد، خاصة خلال موسم ربيع 2026، حيث ظهرت في مجموعة من الإطلالات التي تناسب النزهات الصباحية والتنقلات اليومية، مع الحفاظ على لمسة أنثوية راقية وتفاصيل عصرية تمنحها حضورًا لافتًا دون مبالغة. في أحدث ظهور لها، اختارت درة إطلالة بسيطة مستوحاة من أسلوب الشارع، تمثلت في بنطال قصير وضيق باللون الأسود مع توب بنفس اللون، ونسقت فوقهما معطفًا خفيفًا باللون الكريمي بقصة مستقيمة وياقة عريضة، ما أضفى توازنًا أنيقًا على الإطلالة. وأكملت مظهرها بحذاء مدبب بكعب عالٍ، وسكارف منقوش حول العنق، مع حقيبة كتف داكنة ونظارة شمسية كبيرة، واعتمدت تسريحة شعر ويفي منسدلة. وفي إطلالاتها الصباحية الأخرى، برزت صيحة بنطال الدنيم كخيار أساسي، حيث اعتمدت تصاميم متنوعة تجمع ...المزيد

GMT 08:43 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

تساقط الثلوج على قرية عسير يزيد جمالها وطبيعتها الفاتنة

GMT 16:47 2017 الجمعة ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

فريق الإمارات يكسب الذئاب والحبتور يعبر مهرة

GMT 17:20 2014 الإثنين ,21 إبريل / نيسان

science interview testing

GMT 15:07 2019 الجمعة ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

ابتكار طبي يُساعد النساء في الاستغناء عن أقراص منع الحمل

GMT 11:42 2019 الجمعة ,18 تشرين الأول / أكتوبر

الملكة رانيا تفاجئ الشعب الأردني برسالة "محبة وعتاب"

GMT 14:07 2019 الإثنين ,07 تشرين الأول / أكتوبر

الصين تنظم مهرجان ماكاو السينمائي الدولي ديسمبر المقبل

GMT 19:12 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

طرق طبيعية ونصائح تساعد في تخفيف تأثير الطقس على شعركِ

GMT 23:58 2013 الأحد ,15 أيلول / سبتمبر

الأرصاد: استمرار انخفاض الحرارة الاثنين

GMT 11:33 2014 الخميس ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

طقس قطر معتدل الحرارة خلال النهار الخميس

GMT 04:05 2017 الثلاثاء ,27 حزيران / يونيو

الظفرة يتعاقد مع لاعب الجزيرة إلتون ألميدا رسميًا

GMT 12:16 2017 الأحد ,29 كانون الثاني / يناير

أهم وأبرز العادات السودانية المختلفة في أفراح العرس

GMT 22:09 2020 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

هند صبري تكشف أحب الأفلام لها والسر وراء ذلك

GMT 06:09 2020 الإثنين ,23 آذار/ مارس

تسريحات شعر بالجل للبنات

GMT 19:12 2020 الجمعة ,14 شباط / فبراير

طرح الإعلان الرسمي لفيلم "Fast & Furious 9"

GMT 03:58 2020 الجمعة ,17 كانون الثاني / يناير

"الأرشيف وعلم المصريات" ندوة في المركز البريطاني الخميس
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates