ماذا بعد الديمقراطية

ماذا بعد الديمقراطية؟

ماذا بعد الديمقراطية؟

 صوت الإمارات -

ماذا بعد الديمقراطية

بقلم:سوسن الأبطح

نصف سكان العالم سيذهبون إلى صناديق الاقتراع هذا العام. وهو أمر غير مسبوق أن تتصادف الانتخابات في سبعين دولة بغضون سنة واحدة، ما ينذر بتغيرات قد تكون جذرية، خاصة على مفصل زمني تتنازعه الفتن والاضطرابات وتهدده الحروب والتوترات الاقتصادية. لا أحد يتحدث عما إذا كان فلاديمير بوتين سيحتفظ بكرسيه، بطبيعة الحال، فقد أصبح متوجاً لزمن طويل مقبل. ولا يشغل البال ما سيختاره الإندونيسيون أو التايوانيون. وفي الهند النتائج شبه محسومة لصانع الفتن ناريندرا مودي، فقد نجح في تفكيك المؤسسات وفرض سطوته على الإعلام وأفلح في إدخال تعديلات قانونية ستزجّ ببلد المليار وأكثر، في متاهة استبدادية محزنة.

العين على أميركا، والصراع المستميت بين دونالد ترمب وجو بايدن، وانعكاس النتائج على العالم أجمع، وبقدر أقل على الانتخابات الأوروبية في القارة التي تشهد صعوداً مؤرّقاً لليمين المتطرف، بدأت تجلياته في هولندا مؤخراً. هناك أيضاً تقدّم واضح للفاشية الإيطالية، وأوضح للجبهة الوطنية الفرنسية بقيادة مارين لوبين. ففي استطلاع جديد رأى 82 في المائة من الفرنسيين أن «فرنسا بحاجة إلى سلطة استبدادية، وقائد حقيقي لاستعادة النظام». وهم بالطبع يعنون الصرامة في الحكم، لا الديكتاتورية الظالمة. ونسبة من هم مستعدون لانتخاب لوبين اليمينية المتطرفة ارتفعت إلى 44 في المائة مقابل 31 فقط في الانتخابات السابقة، ما يعني أن الديمقراطية فعلاً ليست بخير - في بلدان عُدّت مؤسسة لها وراعية - أمام تهديد الشعبويين الذين على اختلافات مشاربهم، يتشاركون من أميركا إلى أوروبا والهند مروراً بإسرائيل رغبة عارمة في تغيير طبيعة الأنظمة باللعب على ما يسمونه «الإصلاحات القضائية والقانونية»، ويعززون النزعات القومية والعنصرية، ويثيرون نعرات الهوية والتمييز، أينما حلّوا.

ظن العالم ذات فترة أن الثورتين الفرنسية والأميركية أودتا بالطغاة. وهذا الكمّ من الدول التي تنظم انتخاباتها، لهو أكبر دليل على أن الديمقراطية أقنعت كثيرين بأنها السبيل الأمثل للرخاء، وأن تشريع الحدود وحرية التجارة هما أسرع السبل للازدهار.

لكن المؤسف أن معاقل الديمقراطية نفسها، ورموزها هم الذين يشعرون اليوم بالخطر، وبهشاشة قدرتهم على الدفاع عن مكتسباتهم.

فالعالم يحبس أنفاسه، خوفاً من عودة دونالد ترمب، وما يمكن أن يتخذه من قرارات مفاجئة ومعاكسة لكل ما سبق. حتى حليفته أوروبا تعتقد أن الرجل قد ينهي وجود الناتو كلياً، ويتركهم يتدبرون أمرهم.

المرشحان الأميركيان نفسهما، دونالد وجو، يتهم كل منهما الآخر بأنه هو الخطر الحقيقي على الديمقراطية. لكن يبقى أن الرجلين يصلان إلى هذه المنافسة بقوة رؤوس الأموال وتأييد الشركات الكبرى واللوبيات المستفيدة. ولم يعد من مكان فعلي للبرامج الانتخابية، والمشاريع الحقيقية، ما جعل الفساد جزءاً أساسياً من النظام السياسي، ولا ضير في أن تكون المحاكمات تلاحق أقارب المرشح، أو تطوله هو نفسه. فمثلاً يعتقد ربع الأميركيين أن مكتب التحقيقات الفيدرالي كان وراء أحداث السادس من يناير (كانون الثاني)، التي افتعلها ترمب في الكونغرس. وهذا مريع، لكنه لا يعني بالنسبة لهم عدم التصويت له بالمطلق. فالحكم على السياسي لم يعد وفقاً لمعايير أخلاقية بقدر ما يستند إلى قوته ونفوذه، ومدى الدعم الذي يتمتع به.

هل تذكرون فرنسيس فوكوياما صاحب نظرية «نهاية التاريخ» الذي طبقّت شهرته الآفاق حين عدّ الديمقراطية الليبرالية قد انتصرت بالفعل، وأن البشرية لن تجد لوقت طويل بديلاً عنها. يومها تبعه كثيرون، وقرأوا وحللوا من كثب نظريته العبقرية، ومعه المنظّر صموئيل هنتنغتون في «صراع الحضارات».

كان كل ذلك تحت مفعول نشوة الشعور بالانتصار، بعد انهيار جدار برلين، وسقوط الاتحاد السوفياتي، وتخلي بلدان أوروبا الشرقية عن الشيوعية وانضمامها إلى الكتلة الغربية، وإعلان التفوق النهائي للغرب ونموذجه. يومها أطلق فوكوياما نظريته الرومانسية، وتحول إلى نجم فكري لا يضاهى، لكن سنوات قليلة بعدها، وقد بدأ الفشل الأميركي يلوح في العراق، أدرك فوكوياما أن انزلاقته كانت كبيرة، وانقطع عن أصدقائه من المحافظين الجدد، متهماً إياهم بـ«الغطرسة، والاعتقاد المطلق بامتلاك الحقيقة».

وقبل أشهر قال فوكوياما إنه بعد مرور عشرين عاماً على تلك الحرب: «ضعف إيماننا المطلق بالنموذج الديمقراطي وقدرته على الازدهار في مختلف أنحاء العالم، إن لم يكن قد انهار فعلاً». فوكوياما ليس وحده من ينظر بتشاؤم للنموذج الديمقراطي الأميركي، ويتحدث عن انحداره.

تسببت الحرب الروسية الأوكرانية في ارتجاجات كبيرة، ثم جاءت الحرب الإسرائيلية على غزة بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول)، لتضع القيم الغربية ومبادئ حقوق الإنسان، على محك الاختبار، وبات الغرب كله متهماً بالخداع والانحياز ونصرة القتلة، والتغاضي عن المجازر، مع كل ما تظهره وسائل التواصل من حقائق يتغاضى عنها إعلام، تمتلكه حفنة قليلة من المستثمرين.

وإذا كان الخارج ليس مهماً، فإن هذه الديمقراطية مصابة بوهن داخلي كبير، بسبب الخلل الاقتصادي، وسوء توزيع الثروات، وعنف انتشار السلاح، والحساسيات العرقية، والهوية، وانبجاس العنصرية من جديد.

فوكوياما الذي لا يناصر فلسطين، ولا يطيق بوتين، يعتقد أن «الديمقراطية الأميركية اضطربت بشدة في السنوات الأخيرة، ولم تعد تتمتع بالجاذبية كما في الثمانينات، ولم يعد العالم ثنائي القطب ولا الولايات المتحدة نموذجاً للديمقراطية».

كل الأفكار والنماذج ذاهبة إلى ذبول، وتلك حكمة نعرفها، لكن عادة ما تبزغ أفكار جديدة، قبل أن تبدأ ما قبلها بالضعف. ما نحن فيه مجرد انهيارات لما ولد بفرح في القرن الماضي، ولكن بلا بدائل حقيقية، والخواء يثير الخوف من الخلخلة والفوضى.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ماذا بعد الديمقراطية ماذا بعد الديمقراطية



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 19:05 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة
 صوت الإمارات - تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول

GMT 12:24 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

منصور بن زايد يبحث العلاقات مع كازاخستان

GMT 13:38 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محاكم دبي تعرض خدماتها الذكية في مؤتمر دولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates