براغماتيّة الشّرع تُربك الدور التركي في سوريا

براغماتيّة الشّرع تُربك الدور التركي في سوريا..

براغماتيّة الشّرع تُربك الدور التركي في سوريا..

 صوت الإمارات -

براغماتيّة الشّرع تُربك الدور التركي في سوريا

بقلم : نديم قطيش

 

ضاعف سقوط نظام بشّار الأسد شهيّة تركيا، لإعادة صياغة المستقبل السياسي والاستراتيجي والاقتصادي لسوريا، وتعزيز دور أنقرة الإقليمي، في الجغرافيا السياسية الجديدة للشرق الأوسط. تتجاوز رهانات تركيا في سوريا مسألة ضمان أمن الحدود، أو إضعاف المشاريع الكرديّة الانفصاليّة، إلى أهداف جيوسياسية تتعلّق بصراعات النفوذ مع الدول العربية وروسيا وإيران وإسرائيل، ومصالح اقتصاديّة متشعّبة، وأهداف أيديولوجيّة متّصلة بإحياء تيّار الإسلام السياسي.

سوريا المستقرّة نسبيّاً والمتوافقة مع تركيا توفّر فرصة ثمينة لأنقرة للتعاون مع الولايات المتّحدة في إطار محاربة الإرهاب وإدارة أزمة اللاجئين، مستفيدةً من تحسّن العلاقات مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، بعدما شهدت توتّراً كبيراً بسبب دعم واشنطن للميليشيات الكرديّة.

بموازاة ذلك تحرص تركيا، وهي تسعى إلى احتلال موقع اللاعب المركزي في سوريا، على عدم قطع العلاقات بالكامل مع روسيا، أو المبالغة في استعداء إيران، من خلال الحوار المفتوح مع موسكو بشأن التعاون الاقتصادي والعسكري ولو المحدود بين البلدين، وتفادي مواجهة مباشرة مع إيران.

إخراج الملفّ الكرديّ من التّمرّد المسلّح

يُفسِّر هذا السياق جانباً رئيسيّاً من مبادرة أنقرة السياسية لبناء تفاهمات سياسية مهمّة مع الأكراد، وصولاً إلى حلّ حزب العمّال الكردستاني، مع ما لذلك من انعكاسات على أكراد سوريا المرتبطين بالحزب الأمّ المنحلّ. ويُمهّد لمصالحة أوسع بين أنقرة والغرب ويزيد استقلاليّتها الاستراتيجيّة داخل حلف الناتو.

صحيح أنّ الشمال الشرقي السوري الذي يسيطر عليه الأكراد يظلّ القنبلة الموقوتة الأكثر تعقيداً في الحسابات الأمنيّة والاستراتيجيّة التركيّة، إلّا أنّ الحنكة السياسية التي مارستها أنقرة حتّى الآن، أخرجت الملفّ الكردي نسبيّاً من سياق التمرّد المسلّح إلى سياق المصالحة السياسية والاجتماعية.
 تركيا معنيّة بتحسّن الأوضاع الاقتصادية، وظروف الاستقرار في سوريا، بصرف النظر عمّن يقود الجهود لتحقيق ذلك

دور سعوديّ مركزيّ

إلى ذلك، يبرز الدور السياسي العربي في سوريا، بقيادة المملكة العربية السعودية، ليكشف عن مزيج من التعاون الظاهري والتنافس الخفيّ بين أنقرة والرياض. يتّفق البلدان على دعم الحكومة الجديدة برئاسة أحمد الشرع وتقليص النفوذ الإيراني، ويتنافسان لتعزيز نفوذهما السياسي والاقتصادي. ولئن كانت تركيا تحتفظ بميزة ميدانيّة من خلال حضورها العسكري في الشمال ودعمها لفصائل “الجيش الوطني السوري”، وهو ما يجعلها لاعباً أساسيّاً في المعادلة الأمنيّة، إلّا أنّ الدور السياسي الحاسم للرياض في التوسّط مع واشنطن لرفع العقوبات الأميركية عن سوريا، عزّز موقع المملكة كوسيط سياسي حاسم وجعل منها رمزاً معنويّاً وسياسيّاً عملاقاً في وجدان السوريّين.

سوريا

أخلّ هذا الرصيد المعنوي الكبير للسعودية برهانات تركيا الاقتصادية في سوريا. فأنقرة، التي تعاني اقتصاديّاً في ضوء نسبة تضخّم تجاوزت 50% في 2024 وانخفاض حادّ في قيمة الليرة، تسعى إلى معالجة هذا التعثّر عبر استغلال فرص إعادة إعمار سوريا والسيطرة على مواردها الاستراتيجيّة.

يشهد لذلك، استعجال الشركات التركيّة العاملة في مجال البنية التحتية، لتثبيت حضورها عبر ورش إصلاح وبناء شبكات الكهرباء وتأهيل الطرق في مناطق مثل إدلب وعفرين. وتُشرف تركيا على مناطق اقتصادية شمال سوريا، مثل رأس العين وتل أبيض، حيث تُدير الأسواق وتفرض رسوماً جمركية. وتسعى أنقرة إلى السيطرة على حقول النفط شمال شرق سوريا لتصديره أو بيعه، بالإضافة إلى أنّها تُفاوض لمدّ خطوط أنابيب عبر سوريا، مثل خطّ أنابيب الغاز القطري التركي، من أجل نقل الغاز إلى أوروبا، لتعزيز مكانتها كمركز طاقة إقليمي.

هشاشة الاقتصاد التّركيّ

بيد أنّ هذه الاستراتيجية تواجه مخاطر كبيرة بسبب هشاشة الاقتصاد التركي وافتقاره إلى متطلّبات تمويل المشاريع الضخمة، وهو ما يجعل تركيا تركّز على مكاسب قصيرة الأجل، من دون أفق واضح لتحقيق استدامة اقتصادية. وعلى عكس الرصيد المعنوي السعودي، بعد رفع العقوبات، تُثير السيطرة التركية على الموارد والأسواق استياء السوريين، الذين يرونها استغلالاً اقتصاديّاً، يذكّرهم بتاريخ مديد من الهيمنة التركيّة على بلادهم.
يبرز الدور السياسي العربي في سوريا، بقيادة المملكة العربية السعودية، ليكشف عن مزيج من التعاون الظاهري والتنافس الخفيّ بين أنقرة والرياض

مع ذلك، فإنّ تركيا معنيّة بتحسّن الأوضاع الاقتصادية، وظروف الاستقرار في سوريا، بصرف النظر عمّن يقود الجهود لتحقيق ذلك، بهدف حلّ أزمة اللاجئين السوريّين، وما تشكّله من أولويّة سياسية داخلية كبرى لتركيا. سيخفّف تسهيل العودة الآمنة والطوعية لملايين السوريّين الموجودين حاليّاً في تركيا، الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المحلّية بشكل كبير، وهو ما يعزّز مكانة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان السياسية ويرسّخ صورة إنسانيّة لتركيا على الساحة الدولية، فقدت الكثير من ملامحها بسبب أزمة اللاجئين.

مصالح أيديولوجيّة

إلى جانب المصلحة الاستراتيجيّة والأمنيّة، والمصالح الاقتصادية، لتركيا مصالح أيديولوجيّة في سوريا تتّصل بإعادة إحياء صورة الإسلام السياسي عبر نموذج جديد أقرب إلى النموذج الإردوغانيّ. فمن خلال دعم أنقرة لحكومة أحمد الشرع تطمح تركيا إلى إحياء النموذج السياسي الذي حاولت فرضه في أكثر من مكان خلال حقبة الربيع العربي، بما يتوافق مع مزاج القاعدة الشعبية الإردوغانية.

لكنّ هذا التوجّه، يصطدم بتحدّيات معقّدة بسبب الموقف البراغماتي الذي يعتمده الشرع، والذي كشف عن حوار غير مباشر مع إسرائيل، بموازاة تلميحات إلى احتمال انضمام سوريا إلى الاتّفاقات الإبراهيميّة، كما أشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب. تتناقض هذه المسارات السياسية مع خطاب إردوغان الحادّ تجاه إسرائيل، حيث قد يُنظر إلى دعم تركيا للشرع بأنّه أعجز من أن يمنع تطبيع العلاقات السوريّة الإسرائيلية، ويُعرّض إردوغان لانتقادات من قاعدته الشعبيّة. إلى ذلك، لهجة الشرع حيال غزّة والقضيّة الفلسطينية، خافتة ولا تتماشى مع الموقف الشعبويّ لإردوغان، وهو ما يشير إلى أولويّة الهمّ الوطني في خطاب الحكومة السوريّة الجديدة ويهدّد الخطاب الإردوغاني الإسلاموي بخطر فقدان الصدقيّة.
ضاعف سقوط نظام بشّار الأسد شهيّة تركيا، لإعادة صياغة المستقبل السياسي والاستراتيجي والاقتصادي لسوريا، وتعزيز دور أنقرة الإقليمي

مواجهة النّفوذ الإسرائيليّ

تتّصل هذه التعقيدات، بتعقيدات أخرى تنطوي عليها واحدة من أبرز مصالح تركيا في سوريا، وهي توظيف النفوذ التركي لمواجهة النفوذ الإسرائيلي في الإقليم. لطالما سعى إردوغان، إلى استغلال التوتّرات مع إسرائيل، لتصوير بلاده كقوّة إقليمية مناهضة لإسرائيل، مع الحرص على تجنّب مواجهة عسكرية مباشرة معها.

بيد أنّ المفارقة أنّ إدانة تركيا للغارات الإسرائيلية على سوريا لم تتحوّل إلى مستوى الغضب الشعبي السوري والعربي والإسلامي الذي تطمح إليه أنقرة، تحديداً بسبب البراغماتية الرفيعة التي يتعامل بها الشرع مع هذا الملفّ، واضطرار تركيا إلى القبول بتوجّهاته، الأقرب في روحها إلى موجة السلام العربي الإسرائيلي المتنامية.

عليه، يبدو توظيف سوريا الجديدة في لعبة صراع النفوذ بين أنقرة وتل أبيب، محدوداً بالكثير من الحسابات المتناقضة، أبرزها الاقتصاد التركي الهشّ وغير القادر على تحمّل مواجهة مباشرة مع إسرائيل، ومخاطر إشعال أزمة بين أنقرة وحلف الناتو من بوّابة التصعيد مع تل أبيب، وموقف الشرع البراغماتي من ضرورة الحوار والتفاهم مع إسرائيل.

في المحصّلة، يبدو واضحاً أنّ تركيا، على الرغم من اندفاعها الاستراتيجي وأهدافها الطموحة في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، تقف أمام معادلة معقّدة، تتداخل فيها عوامل اقتصادية هشّة، وتوازنات سياسية حسّاسة، ومنافسة إقليمية شرسة. وبالتالي، سيبقى مستقبل الدور التركي في سوريا مرهوناً بمدى قدرة أنقرة على التعايش مع حلول وسط تلجم اندفاعتها وتحِدّ من نفوذها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

براغماتيّة الشّرع تُربك الدور التركي في سوريا براغماتيّة الشّرع تُربك الدور التركي في سوريا



GMT 16:59 2026 الثلاثاء ,28 إبريل / نيسان

سؤال غير محترم!

GMT 16:54 2026 الثلاثاء ,28 إبريل / نيسان

سؤال غير محترم!

GMT 01:24 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

أجمل هدف لم يأتِ فى الدورى!

GMT 01:22 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

مشهد رخيص من موسكو

GMT 01:20 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كروان السينما «المُلك لك لك لك»

GMT 01:17 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سنة أولى برلمان

GMT 01:15 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

GMT 01:13 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

السيادة الوطنية... مبدأ تحت الحصار

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس - صوت الإمارات
تحرص الفنانة درة على تقديم إطلالات يومية متجددة تعكس أسلوبًا عمليًا وأنيقًا في آنٍ واحد، خاصة خلال موسم ربيع 2026، حيث ظهرت في مجموعة من الإطلالات التي تناسب النزهات الصباحية والتنقلات اليومية، مع الحفاظ على لمسة أنثوية راقية وتفاصيل عصرية تمنحها حضورًا لافتًا دون مبالغة. في أحدث ظهور لها، اختارت درة إطلالة بسيطة مستوحاة من أسلوب الشارع، تمثلت في بنطال قصير وضيق باللون الأسود مع توب بنفس اللون، ونسقت فوقهما معطفًا خفيفًا باللون الكريمي بقصة مستقيمة وياقة عريضة، ما أضفى توازنًا أنيقًا على الإطلالة. وأكملت مظهرها بحذاء مدبب بكعب عالٍ، وسكارف منقوش حول العنق، مع حقيبة كتف داكنة ونظارة شمسية كبيرة، واعتمدت تسريحة شعر ويفي منسدلة. وفي إطلالاتها الصباحية الأخرى، برزت صيحة بنطال الدنيم كخيار أساسي، حيث اعتمدت تصاميم متنوعة تجمع ...المزيد

GMT 15:06 2017 الثلاثاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

شيفروليه تطلق الجيل الجديد من سلفرادو 2019

GMT 18:59 2019 الأربعاء ,01 أيار / مايو

النزاعات والخلافات تسيطر عليك خلال هذا الشهر

GMT 18:54 2019 الأحد ,01 أيلول / سبتمبر

حلم السفر والدراسة يسيطر عليك خلال هذا الشهر

GMT 18:13 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

قدسية كرة القدم

GMT 07:01 2014 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

طقس الأردن بارد الخميس وأمطار في اليومين المقبلين

GMT 14:36 2014 السبت ,27 كانون الأول / ديسمبر

طقس مصر شتوي مائل للبرودة شمالاً الأحد

GMT 17:23 2017 الجمعة ,07 تموز / يوليو

قسوة الرسائل الأخيرة

GMT 15:18 2016 السبت ,22 تشرين الأول / أكتوبر

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 01:24 2016 الجمعة ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

برج التنين.. قوي وحازم يجيد تأسيس المشاريع

GMT 15:45 2020 الخميس ,23 كانون الثاني / يناير

نانسي عجرم تستأنف نشاطها الفني بعد مرورها بفترة عصبية

GMT 13:20 2019 الأربعاء ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

أصالة توجه رسالة مؤثرة إلى منقدي صابرين بعد خلعها الحجاب

GMT 04:30 2019 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

أبرز صيحات الموضة من أسبوع الموضة في باريس

GMT 19:37 2018 الجمعة ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

"إنستغرام" تعمل على تصميم جديد لواجهة الملف الشخصي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates