هل «يتدمشق» الجولاني

هل «يتدمشق» الجولاني؟

هل «يتدمشق» الجولاني؟

 صوت الإمارات -

هل «يتدمشق» الجولاني

بقلم : نديم قطيش

 

«الشام غلَّابة» يقول السوريون. والشام هي أولاً وأخيراً دمشق، بطبقاتها الحضارية المتراكمة، الآرامية والإغريقية والرومانية والبيزنطية والأموية والعثمانية والفرنسية وما بعد. هي الحاضرة الفريدة بقدرتها على التكيف والتطور عبر آلاف السنين، ونقطة التقاء الحضارات والثقافات والأديان، وخطوط التجارة بين القارات. صنعت من مرونتها الثقافية إرثاً مدينياً فريداً ومستداماً، يختصر مكانتها المحورية، سواء كمركز للمسيحية المبكرة أو لاحقاً كمدينة رئيسية في التاريخ الإسلامي. حين اختارها الأمويون عاصمة لإمبراطوريتهم المترامية الأطراف، وجدوا فيها مختبراً لا يتكرر للبراغماتية الأموية التي أسسها معاوية بن أبي سفيان عبر إدارة التوازن بين الهيمنة السياسية واحترام التعددية الثقافية والدينية.

هي، بهذا المعنى، مدينة غيرت ناسها والوافدين إليها أكثر مما غيروها، بروحها العميقة القادرة على احتضان التنوع واستيعاب التناقضات. يصلها الوافد وسرعان ما «يتدمشق»، مكتسباً صفات المدنية نفسها وناسها وأسواقها وبيوتها، التي تميزها المرونة الاجتماعية وسيادة منطق الربح المشترك البعيد عن أي تعصب ديني أو عرقي. يعرف ذلك، من تسنى له الاستمتاع بالأذان الدمشقي، بلحن مقامَي البيَّاتي والسيكا، اللَذين ينضحان بساطةً وحنواً وتطريباً يرطب الروح. تعكس مآذن دمشق، العلاقة المتناغمة بين الدين والمدنية في تاريخ المدينة، حيث يحضر الدين كجزءٍ طبيعيٍ من النسيج الحضري من دون أي تطاول عليه. ببساطته وسرعته النسبية، يبرز الأذان وعياً مدنياً يحترم وقت الناس وحركتهم اليومية، ليكون نداءً روحانياً ينسجم مع الإيقاع العام لدمشق الحاضنة للتنوع الاجتماعي والثقافي العريق.

وأكاد أجزم أن فائض العنف الذي مارسه النظام الأسدي على سوريا يعكس، بشكل مباشر، استعصاء المدنية نفسها وصعوبة إخضاعها بما يتناقض مع طبيعتها، إلا عبر مستويات خرافية من القمع والتوحش.

إلى هذه المدينة التي لفظت الإرث الأسدي وطوت صفحته كأنه لم يكن، يدخل أحمد الشرع، المكنى بأبي محمد الجولاني، زعيم «هيئة تحرير الشام». يدرك الرجل، على ما يبدو، أن إرثه كقائد لجماعة متشددة يجعله غريباً عن روح دمشق. صحيح أن المدينة، طوال عصرها الحديث، حُكمت من غير أبنائها، باستثناء تجربة الدمشقي شكري القوتلي، إلا أنها، باعتبارها أمينة لإرثها الطويل من التسامح والتعددية، لن تقبل خطاباً يقوم على الإقصاء بعد إسقاط الأسد، أو خطاباً مراوغاً ينتحل البراغماتية والمدنية.

يعول البعض على أنه، منذ بداياته، برز الجولاني لاعباً بارعاً في التكيف مع التغيرات السياسية والعسكرية، انطلاقاً من التحاقه بالتنظيمات المتشددة في العراق ضمن صفوف تنظيم «القاعدة» وبتشجيع من نظام الأسد نفسه، مروراً بـ«داعش» وتأسيس «جبهة النصرة» في سوريا، وصولاً إلى تحولها إلى «هيئة تحرير الشام». بيد أنه لا دليل على ما إن كان هذا التاريخ من النقلات، يعكس تغييرات تكتيكية أم تحولات آيديولوجية راسخة.

ثم إن الجولاني ليس مجرد شخصية تسعى لإعادة تقديم نفسها بصورة جديدة، بل يمثل تياراً تمتد جذوره في الفكر السلفي، وينظر إلى الدين كإطار شامل للحكم والسياسة. في هذا السياق، فإن الخشية قائمة من أن تكون دعواته الراهنة مجرد مناورة سياسية أكثر منها قناعة حقيقية، يؤمل لها أن تفضي إلى «تدمشق» حقيقي، بمعنى، الانتساب إلى نسيج دمشق الثقافي والاجتماعي والسياسي، الذي فشلت 54 سنة من التغول البعثي في تمزيقه. لا شك في أن إرث البراغماتية الأموية والتسامح الشامي يمثلان عاملين قويين في تشكيل هوية دمشق وإدارة شؤونها عبر التاريخ، لكن الاعتماد عليهما وحدهما في «ترويض» شخصية مثل أبو محمد الجولاني قد لا يكون كافياً.

فالتحولات المنتظرة من الجولاني تواجه تحديات معقدة تهدد استقرار المدينة نفسها. ولئن كان تخلي الجولاني عن الإرث الإسلاموي المتشدد يتطلب تغييرات جوهرية في عقيدته وخطابه، فإن في ذلك ما قد يؤدي إلى انشقاقات داخل تنظيمه وفقدان القاعدة الشعبية التي تعتمد على مشروعه الآيديولوجي المتشدد، إلى جانب احتمال ظهور فصائل أكثر تطرفاً تنافسه وتزايد عليه.

في الوقت ذاته، سيواجه الجولاني، ما لم يتغير بصدق، صعوبة في كسب ثقة مكونات المجتمع السوري، خصوصاً الأقليات والنخب الدمشقية، التي ترى في إرثه المتشدد تهديداً لهوية المدينة القائمة على التسامح والتعددية.

يبرز، في ضوء هذا السياق، البيان الختامي لاجتماع لجنة الاتصال الوزارية العربية بشأن سوريا بوصفه خريطة طريق محورية لبناء مستقبل سوريا ما بعد سقوط الأسد، من خلال عملية انتقال سياسي شامل ومستدام تحت إشراف الأمم المتحدة وفق القرار 2254. يُبرز هذا الموقف العربي بشكل رئيسي الأهمية الاستراتيجية لشمولية العملية بمشاركة كل مكونات الشعب السوري منعاً للاستئثار أو وصاية مكون على بقية المكونات. وإذ يُعزز البيان الأسس الدولية للانتقال السياسي، من خلال تشكيل هيئة حكم انتقالية، وصياغة دستور جديد، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، الأمر الذي يفتح باباً سياسياً ودولياً «للتدمشق» السياسي، أي الخضوع للشرط التعددي وإرث التسامح لأقدم مدينة مأهولة في التاريخ.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل «يتدمشق» الجولاني هل «يتدمشق» الجولاني



GMT 01:24 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

أجمل هدف لم يأتِ فى الدورى!

GMT 01:22 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

مشهد رخيص من موسكو

GMT 01:20 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كروان السينما «المُلك لك لك لك»

GMT 01:17 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سنة أولى برلمان

GMT 01:15 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

GMT 01:13 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

السيادة الوطنية... مبدأ تحت الحصار

GMT 01:11 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

عبد الرحمن الراشد... ومشروع «النَّاصرية»

GMT 01:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

البيت الأبيض وامتياز التفاوض

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض - صوت الإمارات
سجّلت النجمات السوريات حضوراً لافتاً في حفل Joy Awards 2026، حيث تحولت السجادة البنفسجية إلى مساحة استعراض للأناقة الراقية والذوق الرفيع، في مشاركة حملت رسائل فنية وجمالية عكست مكانة الدراما السورية عربياً. وتنوّعت الإطلالات بين التصاميم العالمية الفاخرة والابتكارات الجريئة، في مزيج جمع بين الكلاسيكية والعصرية، وبين الفخامة والأنوثة. كاريس بشار خطفت الأنظار بإطلالة مخملية باللون الأخضر الزمردي، جاءت بقصة حورية أبرزت رشاقتها، وتزينت بتفاصيل جانبية دقيقة منحت الفستان طابعاً ملكياً. واكتملت إطلالتها بمجوهرات فاخرة ولمسات جمالية اعتمدت على مكياج سموكي وتسريحة شعر كلاسيكية مرفوعة، لتحتفل بفوزها بجائزة أفضل ممثلة عربية بحضور واثق وأنيق. بدورها، أطلت نور علي بفستان كلوش داكن بتصميم أنثوي مستوحى من فساتين الأميرات، تميز بقصة مكش...المزيد

GMT 20:48 2025 الأربعاء ,02 إبريل / نيسان

زلزال بقوة 5.2 ريختر يضرب أيسلندا

GMT 20:23 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

قد تمهل لكنك لن تهمل

GMT 16:31 2019 الأربعاء ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

روبوتان يحملان شعار أولمبياد 2020 يدهشان الطلاب في "طوكيو"

GMT 06:03 2014 الأربعاء ,03 أيلول / سبتمبر

دراسة تثبت أن مشاهدة أفلام الحركة تزيد محيط خصرك

GMT 20:32 2014 الخميس ,11 أيلول / سبتمبر

رفع رسوم التسجيل العقاري في دبي إلى 4%

GMT 11:17 2018 السبت ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

عبير الأنصاري تتعجب من فستان الفنانة "غادة عادل" الرديء

GMT 13:34 2018 الإثنين ,22 تشرين الأول / أكتوبر

معرض تكنولوجيا الطاقة "ويتيكس 2018" يرعى 70 جهة وشركة محلية

GMT 17:03 2018 السبت ,20 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على طريقة وضع "مكياج سموكي" وفقًا لشكل العين

GMT 21:17 2018 الإثنين ,08 تشرين الأول / أكتوبر

"ألف للتعليم" تطبق نظامها بالمدرسة البريطانية

GMT 20:07 2016 الأحد ,31 كانون الثاني / يناير

سمكة قرش تلتهم أخرى "لفرض السيطرة" في كوريا الجنوبية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates