السعودية قاعدة الاستقرارفي الشرق الأوسط

السعودية قاعدة الاستقرارفي الشرق الأوسط

السعودية قاعدة الاستقرارفي الشرق الأوسط

 صوت الإمارات -

السعودية قاعدة الاستقرارفي الشرق الأوسط

يوسف الديني
بقلم : يوسف الديني

التحولات الكبرى في النظام الدولي لا تنشأ في لحظات التوازن الواضح بل تتكوّن عادةً في بيئات الفراغ والارتباك حين تتآكل القواعد القديمة من دون أن تحل محلها قواعد جديدة وحين تفقد القوى المهيمنة رغبتها أو قدرتها على لعب دور المنظِّم النهائي للنظام. ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة سياسة خارجية أميركية وليس انحرافاً مؤقتاً في سلوك واشنطن، بل لحظة انتقال بنيوي يتراجع فيها النموذج الذي حكم العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية من دون أن يَظهر بديل مكتمل. في هذا الفراغ لا يسود الصدام الشامل ولا الاستقرار المنضبط، بل حالة رمادية واسعة تتحرك فيها الدول بمنطق إدارة المخاطر وكسب الوقت وتجنب الخسائر الكبرى، وهو ما يجعل الارتباك ذاته بيئة مولّدة للتحول وليست عائقاً أمامه.

في هذا السياق تمثل ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب الثانية لحظة كاشفة أكثر منها لحظة تأسيسية. فالسياسة الخارجية التي تبنّاها ترمب لم تكتفِ بتقويض أدوات القيادة الأميركية التقليدية بل نزعت عنها الافتراض الأخلاقي والاستراتيجي الذي حكمها لعقود، وهو أن مصلحة الولايات المتحدة تتجسد في صيانة نظام عالمي قائم على التحالفات والمؤسسات والقواعد. هذا الافتراض لم يعد حاضراً في واشنطن لا عند ترمب ولا لدى شريحة واسعة من النخب والرأي العام الأميركيين الذين أنهكتهم تدخلات فاشلة وعجز مالي متراكم وشعور متزايد بأن أعباء القيادة العالمية لم تعد مجدية. ترمب هنا ليس استثناءً، بل التعبير الأكثر صراحةً عن تحوّل أعمق في المزاج الاستراتيجي الأميركي.

التخلي الأميركي عن الدور التقليدي لم يُقابَل بثورة مضادة من الحلفاء، بل بسلوك حذر أقرب إلى التكيف الصامت. فالدول التي بنت أمنها وازدهارها لعقود على المظلة الأميركية وجدت نفسها فجأة أمام واقع لا تملك له بدائل جاهزة. لذلك لم تتجه إلى المواجهة، بل إلى المهادنة وكسب الوقت، على أمل أن تكون المرحلة عابرة وأن تعود واشنطن لاحقاً إلى دورها القديم. غير أن هذا الرهان قد يكون رغبوياً وغير واقعي. فحتى لو غادر ترمب البيت الأبيض، فإنَّ الأسس التي سمحت بعودته وبصعود خطابه الانعزالي لن تختفي في يوم وليلة.

نحن نعيش في منطقة تتحول إلى فراغ دولي، وحين تتراجع القوة المهيمنة من دون أن تختفي لا يولد نظام بديل فوراً، بل تبدأ سلسلة من التصحيحات التي تعيد تشكيل العلاقات الدولية من الأطراف لا من المركز، وفي اعتقادي أن العولمة لم تنتهِ أو تلاشت لكنها أعادت تموضعها خارج أقواس «واشنطن»، ويمكن تأكيد ذلك بأن التكتلات الإقليمية تعمّقت، واتفاقيات التجارة توسّعت، والتكامل الاقتصادي استمر لكن من دون مظلة سياسية جامعة.

في أوروبا كشف انكفاء واشنطن عن هشاشة مشروع الأمن الجماعي الذي بُني على افتراض الدعم الأميركي الدائم. ورغم الزيادات الكبيرة في الإنفاق الدفاعي فإنَّ القارة لا تملك على المدى القريب قدرة مستقلة على الردع أو إدارة الأزمات الكبرى من دون الولايات المتحدة.

آسيا بدورها اختارت مساراً أكثر براغماتية، فبدل الاصطفاف الحاد بين واشنطن وبكين تبنّت دولها استراتيجيات مزدوجة تجمع بين التعاون الاقتصادي مع الصين والتحوط الأمني ضدها مع الحفاظ على علاقات متذبذبة مع الولايات المتحدة. هذا السلوك لا يعكس تردداً بقدر ما يعكس فهماً لطبيعة المرحلة، حيث لا توجد مظلة واحدة كافية ولا خصومة واحدة حاسمة.

أخطر تداعيات هذا التحول ظهرت في الشرق الأوسط، حيث يتقاطع انكفاء الولايات المتحدة مع هشاشة بنيوية وصراعات مزمنة. فغياب الضامن الخارجي لا يفتح تلقائياً باب الاستقلال الاستراتيجي، بل قد يطلق سباق نفوذ إقليمياً ويُغري القوى التقويضية، وعلى رأسها إسرائيل ومن يحاول استلهام تجربتها بملء الفراغ عبر العنف أو الفوضى وأخذ زمام المبادرة بعد تراجع دور محور إيران ووكلائها.

في هذا السياق لا يملك الشرق الأوسط ترف الانتظار ولا خيار التعويل على عودة أميركية كاملة. التحدي الأساسي يتمثل في بناء توازن إقليمي يقلل من تكلفة الفراغ ويمنع تحوله إلى فوضى شاملة. وهذا يتطلب قيادة إقليمية قادرة على الجمع بين الردع والاستقرار، وبين التنمية والأمن، وبين الواقعية السياسية ورفض المشاريع التقويضية. هنا يبرز الصعود السعودي ليس بوصفه طموح قوة تقليدية بل بوصفه مشروع استقرار طويل المدى يسعى إلى إعادة تعريف دور الدولة ومنطقها في نظام إقليمي مضطرب.

الرياض قدمت خلال السنوات الأخيرة نموذجاً مختلفاً في التعامل مع التحولات الدولية. فبدل الارتهان للمظلات الخارجية أو الانخراط في مغامرات توسعية، ركّزت على بناء الداخل وتنويع الاقتصاد وتثبيت الاستقرار الإقليمي عبر مزيج من القوة الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية. رؤيتها لا تقوم على ملء الفراغ بالقوة الصلبة وحدها، بل على تقليص مساحات الفوضى عبر التنمية والاندماج الاقتصادي ورفض منطق الميليشيات والمشاريع العابرة للدولة. هذا النهج يمنحها شرعية إقليمية تتجاوز الحسابات الآنيَّة، ويجعلها مرشحة لقيادة مسار عربي وإسلامي مضاد للفوضى... خلاصة القول؛ السعودية اليوم عنوان عريض لاستقرار الشرق الأوسط.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السعودية قاعدة الاستقرارفي الشرق الأوسط السعودية قاعدة الاستقرارفي الشرق الأوسط



GMT 08:14 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

إثيوبيا مرة أخرى؟!

GMT 08:11 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

الفرصة الأخيرة!

GMT 08:08 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

أزمة غرينلاند وتفريغ السيادة

GMT 08:06 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

المعاون الأنيس للسيد الرئيس

GMT 08:04 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

كرة الثلج الأسترالية والسوشيال ميديا

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض - صوت الإمارات
سجّلت النجمات السوريات حضوراً لافتاً في حفل Joy Awards 2026، حيث تحولت السجادة البنفسجية إلى مساحة استعراض للأناقة الراقية والذوق الرفيع، في مشاركة حملت رسائل فنية وجمالية عكست مكانة الدراما السورية عربياً. وتنوّعت الإطلالات بين التصاميم العالمية الفاخرة والابتكارات الجريئة، في مزيج جمع بين الكلاسيكية والعصرية، وبين الفخامة والأنوثة. كاريس بشار خطفت الأنظار بإطلالة مخملية باللون الأخضر الزمردي، جاءت بقصة حورية أبرزت رشاقتها، وتزينت بتفاصيل جانبية دقيقة منحت الفستان طابعاً ملكياً. واكتملت إطلالتها بمجوهرات فاخرة ولمسات جمالية اعتمدت على مكياج سموكي وتسريحة شعر كلاسيكية مرفوعة، لتحتفل بفوزها بجائزة أفضل ممثلة عربية بحضور واثق وأنيق. بدورها، أطلت نور علي بفستان كلوش داكن بتصميم أنثوي مستوحى من فساتين الأميرات، تميز بقصة مكش...المزيد

GMT 06:56 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر مناسب لتحديد الأهداف والأولويات

GMT 19:10 2019 الأربعاء ,01 أيار / مايو

النشاط والثقة يسيطران عليك خلال هذا الشهر

GMT 08:23 2018 الخميس ,31 أيار / مايو

تعرف علي لعبة التحدي والقتال The Killbox

GMT 03:50 2017 الثلاثاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

طريقة إعداد التشيز كيك "فريز"

GMT 12:14 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالإرهاق وكل ما تفعله سيكون تحت الأضواء

GMT 15:54 2018 السبت ,09 حزيران / يونيو

ليكزس RX سيارة معمرة لعشاق طراز الدفع الرباعي

GMT 13:57 2013 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

أجواء المملكة السعودية تشهد عدة تغيرات الأسبوع المقبل

GMT 17:29 2017 الأربعاء ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محمد رمضان يواصل تصوير "الديزل" مع ياسمين صبري

GMT 21:46 2021 الثلاثاء ,24 آب / أغسطس

أفضل 3 فنادق فخمة مناسبة للثنائي في موسكو

GMT 19:22 2020 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

تأكيد إصابة أول قطة بـ"كورونا" في بريطانيا
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates