بقلم : مشاري الذايدي
حروب تلدُ الحروب في منطقتنا، عصفت في الماضي بدولٍ ملكية و«جملوكية»، على حدّ تعبير الراحل، سعد الدين إبراهيم؛ أي شكل جمهوري وروح توريثية، وأبرز مثال كان لهذا هو نظام الأسدين في سوريا، ومشروع القذافي الابن، سيف، ونجل صالح اليمن، أحمد.
وقبل هذا العصر عصفت رياح الحرب العالمية الثانية، وتوابع الحرب، بالملكيات في مصر والعراق واليمن وليبيا، لكن ظلّت دول الخليج العربية، مُذ كان بعضها مشيخات، وبعضها سلطنات أكبر، صامدة دائمة، تطوي فصول التاريخ كل يوم، وتستحضر المستقبل للحاضر، قبل حلوله، ونماذج مدن الخليج المزدهرة كافية لتبيان ما نعنيه.
لماذا صمد المِثال الخليجي، وتهاوت بقية الأمثلة؟!
هل هي عناصر ديمومة مغروسة في خلايا الحمض النووي لهذه المجتمعات وأنماط الحكم فيها؟! أم بسبب الثروة الفائضة والعدد القليل من السكان؟! أم بسبب الإسناد الخارجي؟!
الواقع أن كل هذه الأسباب، حتى مع الجدل في بعضها مثل الإسناد الخارجي، غير كافية للتفسير، فليبيا مثلاً كثيرة الثروات النفطية وغير النفطية، وقليلة السكان، وكبيرة المساحة، وأهلها أقرب شعوب الغرب العربي شبهاً بأهالي الخليج، خصوصاً بادية الحجاز في السعودية... ومع ذلك لم يحصل في ليبيا ما حصل في الخليج.
صمد المثال الخليجي رغم كل العواصف والزلازل، وهناك من يريد تقويض هذا النموذج، وجرّ دول الخليج نحو أمثلة أخرى، أو تعطيلها على الأقلّ، هذا ما تفعله إيران الخمينية وتوابعها العربية منذ عقود، كما تفعله جماعات «الإخوان» ومُشتقّاتها، مثل السرورية و«القاعدة»... وغيرها.
تنتج دول مجلس التعاون الخليجي نحو 16.6 مليون برميل من النفط الخام يومياً، وتقدّر وكالة الطاقة الدولية أن الشرق الأوسط يمتلك بعضاً من أقلّ موارد النفط والغاز تكلفة في العالم، والمنطقة وفّرت نحو 30 في المائة من إنتاج النفط العالمي و17 في المائة من إنتاج الغاز الطبيعي في 2024 كما شرح عامر ذياب التميمي في تقريرٍ واسع نشرته «المجّلة».
الأمر ليس مزايا النفط والغاز، بل مزايا الحكم الرشيد، وكيفية تدبير أمر الاقتصاد والتنمية وتحقيق الأمن العام، مع الرفاه والتعليم الحديث، من دون الانفصال عن الجذور الثقافية.
هذا المثال هو الذي يحُارب اليوم، وهو المثال الذي يجب عليه أن يحارب من يحاربه.
نعم كما جاء هنا من قبل: «للمرّة الأولى تُرمى مدن وعواصم الخليج التي صارت أيقونة عالمية للمستقبل بهذا القدْر من صواريخ ومُسيّرات الغِلّ الهاطلة من إيران وتوابعها، لكن كما عبرت سُفن الخليج أثباج الأمواج العاتية من قبل، ستعبرها من بعد، وستظلُّ حديقة الخليج مخضرّة زاهية، ما دام (التعاون) عنوان المجلس، هو بوصلة المسير الدائم».