بقلم : طارق الشناوي
كان مقدرا أن يعلن ميسى نحم الأرجنتين اعتزاله فى نهاية المونديال وهو يحتضن الكأس، انقلب الموقف فى المباراة الأخيرة، عشاق ميسى لم يفقدوا الأمل، طلبوا منه أن يستمر أربع سنوات قادمة فى الملاعب ليلحق المونديال القادم، محتضنا الكأس.
هل من الممكن أن يتجاوز ميسى التجاوز، الرجل يكمل الأربعين فى الأشهر القادمة،
الأربعون فى قانون كرة القدم تعتبر بمثابة شيخوخة، هم يريدونه أن يتحدى قانون الطبيعة وينتصر عليه، بينما الاعتزال لحظة حتمية فى مسيرة كل مبدع.
كل فى مجاله لديه مؤشر داخلى يشير إلى اشتعال جذوة الإبداع، ومن الممكن أن يستشعر أيضا خمود تلك الجذوة، أغلب المبدعين يقاومون هذا الإحساس مواصلين الاستمرار.
عبد الوهاب وأم كلثوم لم يعتزلا الغناء حتى اللحظة الأخيرة، وهو أيضا ما فعله وديع الصافى وصباح فخرى.
الفنان سواء كان ممثلا أو مطربا أو حتى مخرجا يتأثر بالعمر الزمنى، عندما سألت المخرج الكبير صلاح أبوسيف عندما بلغ الثمانين عن أسباب إعلانه الاعتزال؟ أجابنى: (حتى المخرج يحتاج فى الاستوديو إلى لياقة بدنية)، إلا أنه أضاف: (تقدمت للرقابة بسيناريو فيلم عن برودة العلاقات الزوجية لو وافقت عليه سوف أعود للاستوديو)، ووافقت الرقابة بالفعل على السيناريو، ولكن بعد رحيل صلاح أبوسيف بعدة سنوات، وأخرج الفيلم ابنه المخرج محمد أبوسيف بعنوان (النعامة والطاووس).
عندما تمضى السنوات يحدث تراجع فى القدرات الجسدية، ويخفت الوميض الإبداعى، كان أحمد رامى فى سنواته الأخيرة يقول: (يتضاءل عدد بذور الإبداع مع التقدم فى السن، ولكن لا تفقد تلك البذور على ندرتها العددية الخصوبة) الفنان المتمرس يتمكن من تعويض كل شىء.
عبد الوهاب اعتزل الغناء فى الحفلات العامة منذ عام ١٩٥٤، نعم لم يتوقف عن التلحين حتى وصل إلى شاطئ التسعين وآخر لحن له (أسألك الرحيل) بصوت نجاة، وكان عبد الوهاب يسجل بصوته على العود عددا من أغانيه، وبين الحين والآخر يقدمها للجمهور عن طريق الإذاعة، النجم والمخرج العالمى كلينت استوود يحتفل قريبا ببلوغه ٩٦ عاما، ومؤخرا فقط قرر اعتزال الإخراج والتمثيل، إلا أن المخرج البرتغالى إيمانويل أوليفيرا ظل يقدم أفلامه حتى آخر لحظات حياته.
شاهدت إيمانويل عندما عرض فيلمه (حالة انجليك الغريبة) فى قسم (نظرة ما) عام ٢٠١٠ بمهرجان (كان)، ويومها صعد إيمانويل ١٠٢ عاما، على خشبة مسرح (دى بى سي) مستندا إلى عصاه، إلا أنه أمام تصفيق الجمهور رفع عصاه لأعلى وكأنه يرقص بها للرد على حفاوة لقاء الجمهور. الفنان المخضرم يستطيع دائما أن يجد مهما تقدم به العمر، حلا فى اختيار ما يقدمه للناس، سواء كان مخرجا أو مطربا أو ممثلا، ولكن هل لا عب الكرة يستطيع أن يتحدى اللياقة الجسدية، التى تتأثر سلبا كلما تقدمنا فى العمر، العقل يرسل إشارات للجسد ويتم ترجمتها بتسديد الكرة فى تلك الزاوية، أو بالجرى بها للأمام مثلا، فهل يظل الجسد يستجيب حتى نهاية العمر.
أم كلثوم سجلت فى مطلع عام ١٩٧٣ أغنية (حكم علينا الهوى)، ولم تستطع تقديمها على خشبة المسرح، نعم لم تعتزل رسميا، وجدت بديلا اخر لتقديم أغانيها يتوافق مع قدرتها الجسدية.
أعتقد أن ميسى صعب أن يستجيب لنداء عشاقه، ويستمر على المستطيل الأخضر أربع سنوات قادمة، هؤلاء الذين يهتفون الآن باسمه ويطالبونه بالبقاء، هم أول من سيهتفون ضده، بمجرد أن تخذله ولو بنسبة ضئيلة لياقته البدنية، وسيعتزل وقتها بناء على طلب الجماهير!!