أميركا قلبُ ظهرِ المِجنّ لأوروبا

أميركا... قلبُ ظهرِ المِجنّ لأوروبا

أميركا... قلبُ ظهرِ المِجنّ لأوروبا

 صوت الإمارات -

أميركا قلبُ ظهرِ المِجنّ لأوروبا

عبدالله بن بجاد العتيبي
بقلم - عبدالله بن بجاد العتيبي

ظلَّ «المنتدى الاقتصادي العالمي» ينعقد في دافوس، المدينة السويسرية النائية في جبال الألب لعقود من الزمن، وهو يعدّ من أهم المنتديات العالمية على المستويات العليا، اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، وهو -كذلك- المنتدى الذي تتابعه أغلبُ وسائل الإعلام، وترصده وتحلل ندواتِه وكلماته وتلاحق الشخصيات المشاركة فيه، وتهتمّ دول العالم الحية بالمشاركة فيه، وعرض كل ما لديها من خططٍ تنمويةٍ ورؤى مستقبلية ومجالاتٍ للاستثمار والتعاون.

في لحظات التغيرات التاريخية الاستثنائية، يتغيّر كل شيء تقريباً، وإن بدرجاتٍ متفاوتة، ومعايير متغيرةٍ، وموازين غير مستقرةٍ، وهكذا جرى هذا العام في «منتدى دافوس» 2026، ولأنَّ التغير الدولي كان صارخاً، فقد كانت المواقف والمتغيرات صارخةً مثله، وما يهم منها في هذا السياق هو «سياسة أميركا» التي قلبت العالمَ رأساً على عقب، بالطريقة التي يحبُّها الرئيس ترمب، صارخةً ومتفجرة، وتسعى لفرض كل شيء على العالم بأسره.

ليس في خطاب الرئيس ترمب في دافوس جديدٌ كليةً يدعو للاستغراب الشديد، بل لقد قال أكثر مما جاء في خطابه أو فعله من قبل دافوس، فهو بدأ ترسيخ نظام دولي جديد دون أن يشاور أحداً، فهو، خلافاً لكل القوانين والأعراف الدولية، قام بعملية عسكرية اختطف فيها رئيس دولة من وسط قصره في فنزويلا، وتفاخر بجلبه مكبلاً لمحاكمته داخل أميركا، وهذه عمليةٌ غير مسبوقةٍ في النظام الدولي المستقر منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهو لم يجد نفسه مضطراً لتبريرها قانونياً أو سياسياً.

رغبة ترمب الملحة في الاستحواذ على غرينلاند عبّر عنها مراراً وتكراراً، وفي خطابه في دافوس غيّر كلامه، وقال إنه لن يأخذها عسكرياً فقط، وهو شنّ هجوماً شرساً على أوروبا، دولاً وقيادات وسياسات، في الهجرة والأمن والاقتصاد والسياسة، وهو قال لهم إنه لولا الولايات المتحدة لكانت أوروبا تتحدث الألمانية اليوم، وربما شيئاً من اليابانية، بمعنى أنه لولا تدخل أميركا في الحرب العالمية الثانية لهزمت أوروبا من دول المحور، وهذا صحيح، ولكنه لا يعني أن تخضع أوروبا لكل ما تريد أميركا.

أي نظامٍ دوليٍ كي يستقر ويستمر يجب أن يجد توازناتٍ سياسيةٍ ومعادلاتٍ اقتصاديةٍ تجعل جميع دول العالم تبدو مستفيدةً منه بشكل أو بآخر، وإلا فهو لن يستمر طويلاً، وهذا النظام الترمبي الدولي لا يمكن أن يسود ويستمر، لأنه نظامٌ مجحفٌ سياسياً واقتصادياً، ووقحٌ أخلاقياً.

كان المخاض صعباً حتى ولد النظام الدولي القائم اليوم، فمنذ «معاهدة وستفاليا» 1648، مروراً بعصبة الأمم، وصولاً إلى الأمم المتحدة، كان المخاض عسيراً ومليئاً بالنزاعات والصراعات، ومترعاً بالمعارك والحروب، منها حربان عالميتان، والسلام العالمي الذي ساد عقوداً، وإن بشكل نسبي، إنما جاء نتيجةً للآلام والحروب.

عوداً على بدء، فخطاب الرئيس الفرنسي ماكرون قبل وصول ترمب إلى دافوس كان غاضباً ومتحيراً في الوقت نفسه، ويحاول أن يضع النقط على الحروف أمام اضطراب بهذا الحجم من قبل أقوى الحلفاء وأقوى دولةٍ في العالم، بحيث بدأت أميركا تقلب لأوروبا ظهر المجنّ، وأكثر من هذا ما جاء في خطاب مارك كارني رئيس الوزراء الكندي، الذي أعلن صراحةً أن «النظام الدولي القائم على القواعد قد انتهى»، وقد صدق.

النظام الدولي الجديد، الذي يُبنى اليوم، لا يقيم أيَّ اعتبار لكل القوانين والمعايير التي فرضها النظام الدولي المستقر منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، بل هو نظام أميركي يصرّ على أن «القوة» و«العنجهية» و«الغرور» يجب أن تحقق «المصالح» الذاتية والسريعة للدولة ولقائدها، بعيداً عن أي توازنات أو تحالفات أو اتفاقيات.

هذا التوجه الخطير لم يحدث في أميركا بين عشية وضحاها، بل هو أمر بدأه اليميني بوش الابن، وتبعه، وإن باتجاه معاكس، الليبرالي اليساري أوباما، ثم صارت الحرب سجالاً بين يمين أميركا ويسارها، ولكنَّ الطرفين متفقان على مسارٍ واحد، هو كسر النظام الدولي، وخلق الفوضى وإعادة بناء الخرائط في العالم.

أين يمكن أن يتجه العالم فيما لو نجح ترمب في تحطيم النظام الدولي القائم، وبناء نظامٍ دوليٍ جديدٍ أقلّ كفاءة وأكثر خطراً وأسرع نهايةً مما كان قبله؟ الحقيقة أن الجواب عسيرٌ، وليس سهلاً، فلا أحد يعرف المجهول، أو يستطيع تقدير القفزات المفاجئة فيه، خاصة من أقوى دولة في العالم، ولكن الأكيد أنَّ أميركا لن تستمتع بمصالحها فيه لمدة طويلة، فسرعان ما سيُكشر العالم عن أنيابه وتعود شريعة الغاب بمجرد غياب الأخلاق، وحينها لن تكون ساعات النَّدم أو التعقل ممكنةً.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أميركا قلبُ ظهرِ المِجنّ لأوروبا أميركا قلبُ ظهرِ المِجنّ لأوروبا



GMT 01:24 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

أجمل هدف لم يأتِ فى الدورى!

GMT 01:22 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

مشهد رخيص من موسكو

GMT 01:20 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كروان السينما «المُلك لك لك لك»

GMT 01:17 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سنة أولى برلمان

GMT 01:15 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت - صوت الإمارات
تعيش النجمة اللبنانية هيفاء وهبي حالة استثنائية من النشاط الفني والتألق الجمالي في صيف عام 2026، حيث نجحت كعادتها في خطف الأنظار وتحويل منصات التواصل إلى ساحة للاحتفاء بأناقتها المترفة. فبعد إطلاقها لأغنيتين حققتا نجاحاً واسعاً، أحيت الأيقونة اللبنانية ليلة غنائية حاشدة في العاصمة الأردنية عمّان، أطلت فيها بمظهر ينبض بالحيوية والترف، مؤكدة حضورها كواحدة من أبرز ملهمات الموضة في الوطن العربي. وفي حفلها الأخير بعمّان، بدت هيفاء متوهجة على المسرح بفستان طويل يحاكي سحر البحار من توقيع المصمم اللبناني العالمي جورج حبيقة. تميز التصميم بقصة "الأوف شولدر" ذات الحواف المنحنية مع تصميم متداخل ينحت الخصر ببراعة، وجاء مرصعاً بالكامل بتطريز كريستالي تتداخل فيه تدرجات الأزرق والفضي، وتتدلى منه حبات الكريستال البراقة لتتماشى مع ...المزيد

GMT 22:22 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

ليفربول يتواصل مع نجم برشلونة رافينيا لاستبداله بصلاح

GMT 23:02 2024 السبت ,20 كانون الثاني / يناير

ملعب محمد بن سلمان مفهوم جديد في الرياضة والترفيه

GMT 15:30 2019 الإثنين ,14 تشرين الأول / أكتوبر

بوتين يبحث مع نظيره التركماني توريد سيارات "أوروس"

GMT 17:02 2019 الأربعاء ,20 شباط / فبراير

لافروف يؤكد أن حجب "فيسبوك" صفحاتRT ضغط على الإعلام

GMT 23:50 2018 الأحد ,16 كانون الأول / ديسمبر

طريقة سهلة لتحضير سندويشات البسكويت والطوفي

GMT 12:04 2018 الإثنين ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

منى أحمد تؤكد أن برج الحمل محبوب ويستنكر كره البعض له

GMT 06:13 2018 الأربعاء ,11 تموز / يوليو

كسوف جزئي للشمس الجمعة المقبل
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates