دعم السوريين في بناء ديمقراطيتهم أمر واجب

دعم السوريين في بناء ديمقراطيتهم أمر واجب

دعم السوريين في بناء ديمقراطيتهم أمر واجب

 صوت الإمارات -

دعم السوريين في بناء ديمقراطيتهم أمر واجب

بقلم: الرئيس بَرهَم صالح*

يجب أن يكون سقوط نظام حزب «البعث» الشمولي في سوريا خبراً ساراً للمنطقة والعالم، كما كان سقوط نظام «البعث» المستبد في العراق. ومع ذلك، يجب أن نكون حذرين؛ فبقاء الطغاة على سدة الحكم مأساة، وزوالهم قد يجلب مآسي إذا لم يتم التعامل مع الأوضاع الجديدة بحكمة، بعيداً عن الانتقامات الداخلية والتدخلات الخارجية.

لطالما كان نظام الأسد مصدراً لمأساة الشعب السوري لأكثر من خمسة عقود. تتكشف أدلة المجازر واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً وأساليب القتل المروعة والمعتقلات سيئة الصيت من خلال شهادات العيان ومشاهد السجون ووثائق الدولة.

كان هذا النظام أيضاً مصدراً لعدم استقرار المنطقة. تدخلاته في لبنان وتورطه في اغتيالات القادة والنخب اللبنانية، ومنهم رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، جلبت المآسي لهذا البلد الجميل الذي كان دوماً منارة للتعايش والثقافة. كما زعزع استقرار العراق بتسهيل تدريب ودخول شبكات الجماعات الإرهابية الجهادية بعد عام 2003، في وقت كان العراق بحاجة إلى مد يد العون، لا يد القتل.

يجب الاحتفاء بانهيار هذا النظام بوصفه انتصاراً للحرية والعدالة وبدايةً لخلاص الشعب السوري من مظالم قاسية. ومع ذلك، ومع التقدير لتصريحات متوازنة من قائد العمليات المشتركة أحمد الشرع، فإن الوضع الحالي يثير القلق، إذ توجد جماعات مسلحة ذات جذور في تنظيمَي «القاعدة» و«داعش» في أجزاء واسعة من الأراضي السورية.

آخر ما يحتاج إليه الشرق الأوسط اليوم هو صعود التنظيمات الجهادية المسلحة. فهذه المنطقة ليست أفغانستان المترامية، بل هي أكثر ترابطاً مع العالم وأكثر أهمية استراتيجياً. على المجتمع الدولي أن يتحرك بشكل حاسم، ليس فقط لمواجهة التهديد الإرهابي المحتمل، بل أيضاً لمساعدة الشعب السوري على طي صفحة الاستبداد، ودعم تطلعاته عبر تشكيل حكومة ديمقراطية مدنية تُعبِّر عن إرادة السوريين وتمثل جميع مكوناتهم من السنة والعلويين، والكرد والمسيحيين، والدروز، وباقي الأطياف. إطارٌ مدنيٌّ شاملٌ يمثِّلُ ضرورةً ليس لسوريا فحسب، بل لتحقيق السلام في المنطقة.

مصير سوريا محوري ليس فقط لشعبها، ولكن أيضاً لجيرانها. فلبنان بحاجة ماسة إلى استعادة دولته المدنية الديمقراطية والتنعم بالاستقرار والسلام بعد هذه السنين العصيبة من الصراعات والحروب.

في الوقت نفسه، وفي خضمّ هذه التحولات الكبرى في المنطقة، يقف العراق عند مفترق طرق. فقطعاً يجب أن يكون العراق مهتماً بما يجري في سوريا، ويجب أن يكون عوناً لأشقائه السوريين وجيرانه من أجل استتباب الأمن والاستقرار. لكننا لا نستطيع أن نلعب هذا الدور إذا لم تتم معالجة المشكلات البنيوية لمنظومة الحكم وتحصين الجبهة الداخلية في مواجهة مخاطر رجوع التطرف والتناحر الطائفي الذي عانى العراقيون بسببها خلال الفترة الماضية من كوارث كبيرة.

لا يمكن إنكار أهمية الإنجازات التي تحققت بعد إسقاط النظام الاستبدادي «البعثي» في عام 2003، مثل تبني الدستور والتداول السلمي للسلطة، وما نشهده اليوم من بوادر للإعمار والنمو الاقتصادي. ومع ذلك، فإن المشكلات البنيوية لا تزال قائمة، إذ أدى ضعف بنية الدولة، والفساد، وتمكن الجماعات المسلحة من أموال الدولة وتجاوزها على قرارها إلى تشكيل خطر وجودي على الدولة العراقية نفسها.

ويجب على العراق أيضاً إعادة صياغة علاقاته مع جيرانه، وذلك بناءً على مفهوم الدولة ذات السيادة وعلاقات الدولة بالدولة، مبنيةً على أساس المصالح المشتركة ورفض التدخل في شؤون الآخر، وألا يكون العراق قاعدة لأي طرف معادٍ للجوار. السماح لأي طرف خارجي بالهيمنة على القرار الوطني العراقي يقوّض السيادة ويغذي عدم الاستقرار وعدم التوازن على صعيد المنطقة. يجب تعزيز سلطة الدولة ذات السيادة، فاستقرار العراق لا يتقبل القيمومة والوصاية الخارجية والانتقاص من سيادته. العراق، كما أثبت التاريخ، غير مطواع للهيمنة الأجنبية!

وكان بيان المرجعية الدينية في النجف الذي أكد على سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها ومعالجة الفساد، موقفاً حاسماً في لحظة تاريخية، كما تعودنا على مواقف النجف التي تمارس أقصى درجات المسؤولية والحرص على المصلحة العراقية.

كما قلنا سابقاً، هناك حاجة ملحَّة لحوار وطني حقيقي بين العراقيين لمراجعة الخلل في منظومة الحكم والوصول إلى صيغة تمكنهم من المشاركة الفعلية في حكم بلادهم ضمن نظام ديمقراطي مدني يرسخ مفهوم الدولة ذات السيادة، وتحصر السلاح بيدها، وتمكن الحوكمة الرشيدة من مجابهة الفساد المستشري وتقديم الخدمات للمواطنين.

دور العراق بوصفه محوراً في الشرق الأوسط يعتمد على قدرته على العمل بشكل مستقل وتعزيز علاقات سلمية مع جميع جيرانه، بما في ذلك عمقه العربي وإيران وتركيا. إن تعزيز السيادة والاستقرار السياسي يمكن أن يحوّل العراق إلى جسر بين دول الشرق الأوسط. ولدى العراق الإمكانية ليكون حجر الزاوية في نظام إقليمي جديد يركز على الاستقرار والتكامل الاقتصادي والتعاون بدلاً من الصراع.

حل القضية الكردية أمر ضروري أيضاً. فقد حُرم الكرد من حقوقهم السياسية والثقافية على مدى عقود، ويجب الإقرار بأولوية معالجة هذه المظالم واحترام حقوق الكرد، بصفته شعباً أصيلاً في هذه المنطقة. ففي سوريا، يتطلب الأمر ضمان هذه الحقوق الكردية في أي تسوية سياسية وتثبيت مبدأ الشراكة في الوطن ورفع السياسات التمييزية والإقصائية التي رافقت حكم «البعث». أما في العراق، فتجب مراجعة العلاقة بين الحكومة الفيدرالية وحكومة إقليم كردستان بصورة بنيوية، ومعالجة النزاعات المتكررة المتعلقة بالموارد والأراضي والحوكمة والصلاحيات.

التحديات هائلة، لكنّ الفرص كذلك. الشرق الأوسط يقف عند نقطة تحول، والخيارات التي تُتخذ الآن ستحدد مسار المنطقة لعقود قادمة. دعم الشعب السوري في كفاحه من أجل الديمقراطية، واستعادة عافية لبنان، وإصلاح النظام السياسي في العراق، ليست فقط واجبات أخلاقية، بل هي أيضاً ضرورات استراتيجية.

هذه المنطقة عاشت ظروفاً عصيبة وحروباً مدمرة على مدى العقود الماضية بسبب الأنظمة الاستبدادية والعنف والقمع، وأيضاً بسبب حقبة الدولة المتآكلة والمتجاوز عليها من مجاميع مسلحة خارج إطار الشرعية، والتي أقحمت المنطقة وشعوبها في مغامرات خطيرة.

حان الوقت لهذه المنطقة أن تستقر، واستقرارها مرهون بشرعية منظومة الحكم المستمَدة من تراضى شعوبها، والتركيز على تحقيق النمو الاقتصادي والتطور وتوفير فرص العمل للشباب، واستئصال الإرهاب والتطرف.

إذا كان الآخرون قادرين على التحول في مجرى تاريخهم كما حدث في أوروبا وآسيا، فلا يوجد ما يمنع هذه المنطقة من التحول بهذا الاتجاه. وإلا، سيبقى هذا الجيل والأجيال القادمة أسرى لنزاعات تافهة على مفاهيم هامشية، فيما يتحول العالم إلى مسار التقدم والنمو الاجتماعي.

هذا واجبنا بصفتنا قادة وشعوب هذه البلاد لتحقيقه. ولكن، في تقديري، على المجتمع الدولي أيضاً أن يلعب دوره في دعم تصحيح المسار واستعادة الدول بناءً على القيم الديمقراطية والمدنية والسلام والتعايش ورفض العدوان، وكذلك العمل على إصلاح حقيقي في العراق بما يؤمِّن التعايش ليس فقط على صعيد الوطن العراقي، بل على صعيد المنطقة.

يجب على المجتمع الدولي أن يلعب دوراً استباقياً، من خلال تقديم الدعم الدبلوماسي والاقتصادي والأمني لاستقرار المنطقة. لكن في نهاية المطاف، تقع المسؤولية على عاتق قادة وشعوب المنطقة.

شرق أوسط يقوم على التعاون والشمول في متناول اليد -إذا توفرت الإرادة لتحقيقه.

نقلا عن الشرق الأوسط

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

دعم السوريين في بناء ديمقراطيتهم أمر واجب دعم السوريين في بناء ديمقراطيتهم أمر واجب



GMT 21:02 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

غطرسة شاهنشاهية

GMT 21:01 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

في الحديدة «ضَيَّعْت» الزَّمن!

GMT 21:00 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

اليمنيون هم أكبر ضحايا الحوثي

GMT 20:59 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الهروب من الوقائع لا يبعد الأخطار

GMT 20:58 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الإشكالية الكبرى؟!

GMT 20:57 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

أفكار وافدة

GMT 20:56 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حب استراتيجى !

GMT 20:55 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

مِنَح الجامعات الخاصة!

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 19:05 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة
 صوت الإمارات - تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول

GMT 12:24 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

منصور بن زايد يبحث العلاقات مع كازاخستان

GMT 13:38 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محاكم دبي تعرض خدماتها الذكية في مؤتمر دولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates