باقة ورود برية

باقة ورود برية

باقة ورود برية

 صوت الإمارات -

باقة ورود برية

سمير عطا الله
بقلم - سمير عطا الله

لست أذكر اليوم الذي غابت فيه مهيبة سلامة، سوى أنه كان شتاء. حاولت أن أبحث عنه في السجلات وفي ذاكرة البعض، لكن يبدو أنه كان تاريخاً غير مهم لأحد. إنه أهم يوم في حياتي. اليوم الذي أصبحتُ فيه، وأنا في العاشرة، مهزوماً مدى العمر.
لأنني لم أتوصل إلى معرفة ذلك اليوم، أقوم في عيد الأمهات بزيارة مدفنها. عيدٌ عام، في أكثر قضايا الأرض خصوصية. لكن كل أم هي جميع الأمهات. ولا أخاطبها خلال الزيارة كثيراً لأنه، بالنسبة لها ولي، يوم مثل جميع الأيام. يستحيل أن يمضي من دون أن تتراءى لي، مرتدية ثوباً طويلاً أبيض طرّزت عليه وروداً وحناناً وأمومةً. كانت تطرز الزهور والورود والفراشات، لكي نعيش. رأيتُ أبي في البيت مرة واحدة في خيال خاطف. وكان يعنِّفها.
أفسدتني سنوات الأمومة العشر. صارت الدنيا رماداً وأنا طفل. وصارت الذاكرة جريحة، وصار ظلم الوحدة مثل قسوة الصخب. كانت لا تزال شابة، وكنت لا أزال طفلاً، ومن بعدها صارت الطفولة دمعاً، وصار الشباب ضياعاً. لم تعد للأشياء قيمة، ولا للسنين معنى. المهزوم لا يطيق الحياة. كائن هزيل مع قدره. كل ما يستطيعه هو الحزن. وكل أحزان الأرض لا تفي مهيبة سلامة.
جاءت أمي إلى الزواج من عائلة ميسورة تماماً. لا معنى هنا للتفاصيل. كل شيء أصبح الآن بعيداً، إلا حضورها، تعمل كيفما تنقلت، تشقى وتتعب، وفي الليل تقرأ الروايات الحزينة. وإذا ما زارتها بنات شقيقاتها عند العصر، طالبنها بأن تغني لهن بصوتها الذهبي، الأغاني التي تفرح لها الصبايا، والقصائد التي تولد بموسيقاها. جمال اللحن من جمال الشعر.
كنا نسكن في منزل والدها الكبير. غرف كثيرة وخالية وعتم في الشتاء، وقنديل شحيح لكل المساحات. شرفة رائعة لها أعمدة رخامية منحوتة بأزميل شاعري. لكن في العام التالي جاء أصحاب البيت «الأصليون»، وكان على الابنة المطلقة أن تنتقل بنا إلى منزل مستأجر قريب. هل قالت مهيبة سلامة شيئاً؟ هل سمعتها مرة تشكو هجران أبي؟ هل غابت ابتسامتها على سرير المرض؟ هل تذمرت من القلّة التي تملأ البيت وتملأ كوكبها الحزين؟ هل غضبت؟ هل علا صوتها إلا في الأغنيات التي تطلبها الصبايا، اللواتي يمنحن أسرارهن اللطيفة إلى خالتهن ذات العينين الخضراوين، خضرة ملوكية مثل بحيرة الإسكندرية في زمن الأساطير.
عشت مهزوماً بعد أمومة مهيبة سلامة. ولم أستطع أن أدرك أن كل شيء في هذه الدنيا يخلق وله بديل إلا الأم. وطفقت تائهاً في العالم أبحث عنها. وعندما أيقنت مدى الضياع والهزيمة، صرت أكتفي بباقة من الورود البريّة في عيد الأمهات. الورود التي كانت تزين بها بيتنا الصغير. لم تكن تملك ثمن ورد الحدائق. لو تدري مهيبة سلامة، أي أم أفقدتنا يوم استقلت، في سكينة، عربة الأحزان.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

باقة ورود برية باقة ورود برية



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض - صوت الإمارات
سجّلت النجمات السوريات حضوراً لافتاً في حفل Joy Awards 2026، حيث تحولت السجادة البنفسجية إلى مساحة استعراض للأناقة الراقية والذوق الرفيع، في مشاركة حملت رسائل فنية وجمالية عكست مكانة الدراما السورية عربياً. وتنوّعت الإطلالات بين التصاميم العالمية الفاخرة والابتكارات الجريئة، في مزيج جمع بين الكلاسيكية والعصرية، وبين الفخامة والأنوثة. كاريس بشار خطفت الأنظار بإطلالة مخملية باللون الأخضر الزمردي، جاءت بقصة حورية أبرزت رشاقتها، وتزينت بتفاصيل جانبية دقيقة منحت الفستان طابعاً ملكياً. واكتملت إطلالتها بمجوهرات فاخرة ولمسات جمالية اعتمدت على مكياج سموكي وتسريحة شعر كلاسيكية مرفوعة، لتحتفل بفوزها بجائزة أفضل ممثلة عربية بحضور واثق وأنيق. بدورها، أطلت نور علي بفستان كلوش داكن بتصميم أنثوي مستوحى من فساتين الأميرات، تميز بقصة مكش...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 21:36 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

تتخلص هذا اليوم من الأخطار المحدقة بك

GMT 11:59 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تعيش ظروفاً جميلة وداعمة من الزملاء

GMT 18:53 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 12:16 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تجنّب أيّ فوضى وبلبلة في محيطك

GMT 00:23 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يشير هذا اليوم إلى بعض الفرص المهنية الآتية إليك

GMT 19:42 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 14:38 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

تساعدك الحظوظ لطرح الأفكار وللمشاركة في مختلف الندوات

GMT 08:31 2020 الأربعاء ,01 تموز / يوليو

تحقق قفزة نوعية جديدة في حياتك وانطلاقة مميزة

GMT 23:27 2019 الجمعة ,11 كانون الثاني / يناير

بينتانكور يؤكّد أن "يوفنتوس" يُركز على مواجهة "بولونيا"
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates