منطق الثأر ومنطق الدولة

منطق الثأر ومنطق الدولة

منطق الثأر ومنطق الدولة

 صوت الإمارات -

منطق الثأر ومنطق الدولة

بقلم : رضوان السيد

لا ينبغي الاستخفاف بصرخة الثأر التي أطلقها المرشد مجتبى خامنئي في جنازة والده. فقد حرص منظمو مسار الجنازة على ربطها بالصرخة الشيعية التاريخية التي تتكرر في عاشورائيات كربلاء منذ ألف عام، وأكثر: يا لثارات الحسين! إذ فضلاً عن الحشود الهائلة التي ردّدت إرادة الانتقام هذه، مضوا بالجنازة إلى النجف (للتذكير باستشهاد الإمام علي)، وإلى كربلاء (لتذكير النفس وكل الآخرين باستشهاد الحسين). فمنذ مقتل الحسين عام 61 للهجرة، ظهرت حركة التوابين بزعامة الصحابي سليمان بن صُرَد لقتل النفس فداءً لابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فكانت انتحاراً جماعياً للتكفير، ثم جاءت حركة المختار الثقفي لإبادة القَتَلة، ولمّا قامت الثورة العباسية عام 132هـ تجددت الصرخة للثأر، فجرت إبادة الأُمويين الذين تحمّل أجدادهم مسؤولية قتل الحسين. وعبر الأجيال صارت عاشوراء فجيعة، وتذكاراً دائماً ليوم الزمان، وما وراء الزمان لحين عودة صاحب الزمان!

التشيع في الأصل حركة عربية، لكنه صار عاشورائياً مأساوياً، ولاهوتياً دائماً عندما صار إيرانياً. واللاهوت يصنع ثورةً، بل ثورات، لكنه يجد صعوباتٍ هائلةً إذا أراد تحويل نفسه إلى دولة. فالدولة مسار جماعي، أو يصبح كذلك إذا أردنا تفسيره على الطريقة الخلدونية. فابن خلدون يقرن العمل السياسي بالقوة التي يقترن فيها العنصر البشري بالدعوة، لكنها لا تصبح دولةً بعد القيام أو الثورة إلاّ إذا تجاوزت دعوة الاستنفار ذات الخصوصية الفئوية إلى جماعية المصالح التي تتخطى الخاص، والحماسي، والمأساوي، والكاريزماتي إلى العام، أو تتوالى فيها وعليها التمردات، والثورات، فتستنفد القوى، ويضربها الخارج غير اللاهوتي، وغير الكاريزماتي.

أردشير بن بابك مؤسس الدولة الساسانية (228-241م) بإيران عندما أراد تجاوز دول الطوائف التي خلّفتها غزوات الإسكندر، تأبط الدين الزرادشتي، فجمع أجزاء الهضبة الإيرانية في دولةٍ قويةٍ، لكنها أوشكت على السقوط، أو التشرذم، لظهور دعوات دينية أخرى، ولأن كارتير الكاهن الأكبر في الدولة أراد الاستيلاء على السلطة. لقد ترك أردشير لخلفائه -فيما يقال- عهداً لا يزال يُسمَّى عهد أردشير. وهو يقول فيه إنّ المُلْك والدين أخوان، فالدين أُسّ، والمُلْك حارس، لكن إذا تخاصما فقام زعيمٌ للدين مُسِرّ، وزعيم للسلطة مُعْلن، أوشك أن يتغلّب رئيس الدين على رئيس المُلْك!

لقد حصل ذلك مراراً بإيران. فالصفويون -وهم قبائل من أصل تركي- تشيعوا، فأقاموا على التشيع المتشدد سلطة تصارعت طويلاً مع العثمانيين. ثم خلفهم القاجاريون بحركة دعويةٍ مشابهة.

وقد حسب الجميع أنّ الأزمنة الحديثة غيرت قواعد اللعبة إلى غير رجعة. صحيح أنه لا تزال تحدث هنا وهناك ثورات تختلف قوة دعويتها، لكنّ آليات الدولة ما تلبث أن تسيطر، وقد حدث ذلك في روسيا، والصين، بل وحدث في إيران 1905-1911 عندما قامت الثورة الدستورية على النهج الحديث. لكنّ الثورة الإسلامية في إيران (1979) أعادت قواعد لعبة العصور الوسطى، أو حاولت. فقد ظهرت الحشود العاشورائية في الشوارع ناقمةً على المظالم التي أنزلها بها الشاه في اعتقادها، ووعيها، وخالطةً ذلك بالانقلاب على الإصابة بداء الغرب -بحسب تعبير الكاتب الإيراني جلال آل أحمد. وتوافرت لها قيادة كاريزماتية جبّارة تذكِّر كلَّ الوقت بلباسها الأسود المهيب بشهداء آل البيت، وتُغري بالتشيع الناهض بالاستيلاء على ما حولها، مطمئنةً ذوي الميول القومية إلى قوة دولتهم التي اجتمعت فيها ثلاثة عناصر بدلاً من عنصرين: الجغرافية الضخمة والمنيعة، والدعوة الدينية المستثارة، والموارد الكبيرة. وهكذا اندفعت بالثورة الدينية الغلاّبة والاستثارة التضحوية في كل اتجاه، وحققت مكاسب. لكن لا جديد تحت الشمس، فكما تقدمت، واخترقت، ودمَّرت، أثارت أيضاً حساسيات، ومصالح جرى انتهاكها. وقد لا تتوافر الحساسية الدينية لدى الولايات المتحدة، والدول العربية؛ لكنها تتوافر لدى إسرائيل. ولذلك تعرضت وتتعرض لنزاعات، وحروب كانت تبدو فيها غالبة، وهي الآن مغلوبة، ومحاصرة.

إنّ الذي أراه أن إيران الدينية وإيران القومية وإيران الجماهير الضخمة تعرضت لضرباتٍ قويةٍ جداً حاولت الردّ عليها بالإعداد للنووي، وبمضيق هرمز، وبالميليشيات الاستشهادية التي نشرتها، وبالأسلحة المتاحة؛ لكن ذلك لا يشفي الغليل. وقد جاء مقتل قيادتها العريضة، وقائدها الأكبر ليثير الحساسيات الدينية العميقة، والتي تجمع مظالم التشيع إلى الإذلال القومي.

ولذلك من المتوقع أن تشهد إيران ثوراناً عاشورائياً داخلياً، وتجاه الخارج القريب الذي تحسب أنها تقدر عليه. دعوات الثأر للقائد الشهيد الذي سار على مسار الحسين تفيد في حشد العامة. وستزداد اللهجة الدينية تجاه الخارج، وتعمد الإيذاء، وزيادة التخريب الانتقامي. لكن في النهاية لا شيء هناك غير تعزية النفس بزعم انتصار الدم على السيف!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

منطق الثأر ومنطق الدولة منطق الثأر ومنطق الدولة



GMT 23:35 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

شهر السادس من أكتوبر

GMT 23:34 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

أقوى سلاح

GMT 23:33 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

هل نتحمّل 7 أكتوبر مرّةً أخرى؟

GMT 23:32 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

في ذكرى طوفان السنوار

GMT 23:32 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التصالح مع الموت

GMT 23:31 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

لكنْ متى استقلّ العراق؟

GMT 23:30 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التفكير في الحرب الأبدية

GMT 23:29 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التهريج والوقار في رحاب جمعية الأمم

نجوى كرم تعيد فستان المخمل إلى الواجهة وتلهم النجمات

بيروت - صوت الإمارات
يعود فستان المخمل بقوة إلى إطلالات النجمات هذا الموسم، خصوصاً عند تنسيقه مع القفازات الطويلة التي تمنح اللوك لمسة فاخرة وأنيقة. وكانت نجوى كرم أحدث النجمات اللواتي اخترن هذه الصيحة، بفستانها البنفسجي المخملي الذي لفت الأنظار في أحدث حفلاتها، لتستعيد النجمات بهذه الصيحة خيارات ملهمة لمناسبات الخريف والشتاء. أعادت نجوى كرم في أحدث إطلالاتها في حفلها الأخير في دبي صيحة المخمل الفاخر مع القفازات الطويلة إلى الواجهة، واختارت لهذه المناسبة فستاناً طويلاً باللون البنفسجي الداكن من المخمل بتوقيع نيكولا جبران، وتميز الثوب بتصميم أنيق يبرز القوام وينسدل بطول لافت حتى الأرض، مع تفاصيل مكشوفة عند الكتفين وقصّة دراماتيكية عند الأكمام. وأكملت النجمة اللبنانية اللوك بقفازات طويلة من المخمل باللون البنفسجي نفسه، لتمنح الإطلالة طابع...المزيد

GMT 22:44 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

الأخضر الزيتوني يمنح منزلك الدافئ عمقاً وثراءً
 صوت الإمارات - الأخضر الزيتوني يمنح منزلك الدافئ عمقاً وثراءً

GMT 22:31 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

لقاحات شائعة تحمي من الأمراض المزمنة منها الخرف والسرطان
 صوت الإمارات - لقاحات شائعة تحمي من الأمراض المزمنة منها الخرف والسرطان

GMT 23:00 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

ترقب لإعلان الفائز بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026
 صوت الإمارات - ترقب لإعلان الفائز بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026

GMT 21:20 2012 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

فلنتعلم من الطبيعة

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 09:08 2017 الإثنين ,04 كانون الأول / ديسمبر

أحمد فهمي يقترب من إنهاء تصوير مشاهده في "أنا شهيرة"

GMT 17:57 2018 الجمعة ,24 آب / أغسطس

"أفتو فاز" توضح مواصفات سيارتها " Lada Vesta"

GMT 21:51 2018 الأربعاء ,17 كانون الثاني / يناير

محمد عبدالباسط يتعهد بتلبية مطالب مدرب الوحدة

GMT 15:44 2017 الإثنين ,04 كانون الأول / ديسمبر

"بالتاء المربوطة"..

GMT 22:25 2017 الثلاثاء ,10 تشرين الأول / أكتوبر

إنفوغراف 3

GMT 07:12 2024 الأربعاء ,07 شباط / فبراير

انطلاق فعاليات اليوم العالمي للإنترنت الآمن 2024

GMT 17:10 2020 الخميس ,11 حزيران / يونيو

أستراليا تتعقب السلاحف البحرية بـ"طائرات مسيرة"

GMT 10:50 2018 الأحد ,30 كانون الأول / ديسمبر

بن زايد يعرب عن فخره بمسيرة محمد بن راشد في "خدمة الوطن"

GMT 19:34 2018 السبت ,15 كانون الأول / ديسمبر

مقتل 6 جنود باكستانيين إثرهجوم قرب حدود إيران

GMT 14:07 2014 الثلاثاء ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

طقس الأردن بارد وأمطار متفرقة الثلاثاء وحتى الخميس

GMT 17:34 2018 الإثنين ,11 حزيران / يونيو

"تسلا" للسيارات تخطط لتأسيس أول مصنع لها في الصين

GMT 09:40 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

ناسا تطلق مركبة فضائية لأقرب نقطة من الشمس هذا الصيف

GMT 10:03 2017 الأربعاء ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

نادي النصر يفوز على الوصل بعد 640 يومًا

GMT 17:08 2017 الخميس ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

طريقة إعداد مهلبية طبقات لإسعاد أفراد أسرتك
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates