تحديات الإلحاد المعاصر

تحديات الإلحاد المعاصر

تحديات الإلحاد المعاصر

 صوت الإمارات -

تحديات الإلحاد المعاصر

إكرام لمعي
بقلم - إكرام لمعي

لا شك ــ عزيزى القارئ ــ أن جميعنا يلاحظ موجة إلحاد قوية وكاسحة بين الشباب فى بلادنا، بل ونستطيع أن نرصد هذه الموجة فى هجرتهم بيوت العبادة سواء الكنائس أو المساجد، كذلك تتضح بصورة لا لبس فيها ولا إبهام على صفحات التواصل الاجتماعى بكل صورة، والسؤال هو لماذا يقوم الشباب بعملية هروب من الله بنكران وجوده، أو بإعلان رفضهم لفكرة وجود الله من الأصل؟.
لكن هل تعلم ــ عزيزى القارئ ــ أن معظم الأنبياء اجتازوا فى خبرة وجودية تشبه ذلك، وهنا يأتى السؤال ما هو تعريف الوجودية؟ لقد اختلف الناس كثيرًا فى تعريفهم للوجودية، فالمتدينون يقولون إن الوجودية هى الإباحية والعبث والسخف، ولكن إذا سألت رجل دين مثقفا سوف يقول لك إن «الوجودية حركة دينية فى غاية العمق والتعقيد«، والإجابتان صحيحتان أو على شيء من الحقيقة. يخطئ من يعتقد أن الوجودية بدأت من الفلاسفة نيتشه أو سارتر أو حتى كيركجارد، وإن كانوا هم مؤسسو الوجودية الحديثة، لكن علينا أن نؤكد أن الوجودية بدأت ببداية الإنسان على الأرض، فيقول روجرلى سن فى كتابه الموقف الوجودى «إن الناس جميعًا لهم أوقات يتصرفون فيها وكأنهم وجوديون، كما أن عددًا من رجال التاريخ كانوا يفكرون تفكيرًا وجوديًا لا لبس فيه ولا إبهام».
وإذا تأملنا قليلًا نكتشف أن الكتب المقدسة ذاتها مليئة بالمواقف الوجودية، فكثيرًا ما نقرأ ونسمع أن بعض الشعوب الشرقية فى تاريخها مثل الشعب العربى، والشعب العبرانى (اليهودى) وجوديون فى جوهرهم، بخلاف الشعب الإغريقى اليونانى القديم الذى كان يفكر بالعقلانية الموضوعية، ويمكن وصف فكر سقراط الفيلسوف الإغريقى بأنه يميل إلى الوجودية بمقولته: «أنا أفكر إذن أنا موجود»، لكن إثارة هذه الفكرة دعت بعض الباحثين أن يتعمقوا فى الأدب والفلسفة الإغريقية فاكتشفوا أن هناك من كان يفكر تفكيرًا وجوديًا غير سقراط. ولقد كانت الأزمات الروحية والنفسية والثورات هى التى تحرك هذه الدوافع الوجودية وتثيرها، فقد كانت ثورة الإصلاح الدينى فى القرن الخامس عشر فى أوروبا بقيادة مارتن لوثر الذى كان أشد الناس وجودية فى تفكيره، ولا يزال الباحثون يدرسون حياة رجال الإصلاح فى ذلك الوقت من خلال نظامين لاهوتيين تجريديين، وبالعودة للأنبياء الذين كانوا شهودًا على أفكارهم أو الذين أحيوا عقيدتهم واعتقدوا حياتهم، هؤلاء جميعًا كانوا وجوديين، ولذلك لم يكونوا فلاسفة، بل إنهم وجوديون لأنهم لم يتفلسفوا، أو لم يحاولوا إثبات شيء عن طريق البرهان العقلى والقياس المنطقى، حتى إنهم لم يحرصوا على إثبات وجود الله بالأدلة والمنطق، وقبل هؤلاء الأنبياء خرج علينا الفيلسوف سقراط بهذه الجملة الحية النابضة «اعرف نفسك بنفسك»، ثم تلاه الفلاسفة الرواقيون الذين حاولوا السيطرة على نفوسهم عن طريق كبح شهواتهم، ويأتى دائما ذكر القديس أغسطينوس صاحب الجملة الوجودية فى مناجاته لله «أن أعرف نفسى وأن أعرفك» أو حسبما يقول «تظل أفئدتنا قلقة حتى تستريح فى الله».
***
بدراسة التاريخ الغربى كانت الدوافع الوجودية تُثبت وجودها دومًا، وتأتى الثورات الاجتماعية لتحرك هذه الدوافع وتثيرها. بعد هذه المقدمة أنتقل بكم ــ عزيزى القارئ ــ إلى الوجودية الحديثة والتى تتجه إلى اتجاهين متضادين الأول يؤمن بوجود الله والآخر يرفضه، ومن الطبيعى أن تتجزأ الوجودية إلى أجزاء وأشكال عديدة يصعب حصرها، لكن من حسن الحظ أننا نستطيع أن نضع خطًا فاصلًا بين الجانبين، على جانب من الحد الفاصل نجد أولئك الذين حياتهم توق حميم إلى الله، وعلى الجانب الآخر نجد أولئك الملحدين الذين لا يقرون بوجود الله، ويمكننا فهم ذلك فى إشارة كيركجارد الفيلسوف الوجودى إلى «وثبة الإيمان» أو «قفزة الإيمان بالله»، فهذه الوثبة من أروع الأعمال البطولية التى يقدم عليها أصحاب الإيمان، لكن الملحدين يعتبرون هذه الوثبة مجرد وهم وخيال، وإن وراء هذه الوثبة العدم، وأهم ما قيل عن الفارق بين الاتجاهين هو الفارق بين كيركجارد وبين جان پول سارتر، ففكر كيركجارد يتلخص فى أنه كان طيلة حياته مشغولًا بمشكلة خطيرة بل لعلها أخطر المشكلات جميعًا، وهى مشكلة نفسه وتحديد معنى مصيره الخاص وعلاقته بالمطلق «الله» لقد كان يبحث عن الله ولم يكن يريد أن تقوم بينه وبين الله (المطلق) وساطة من أى نوع حتى لو كانت بيوت العبادة، وهو يرى أنه من التناقض أن يبحث الإنسان عن الوجود خارج نفسه، يقول: «إنما يجب أن أبحث عن الوجود فى أعماق نفسى، لأن هذه النفس تشارك فى الوجود الذى خلقه الله»، ويقول أيضًا: «يجب أن يفهم الإنسان نفسه أولًا لكى يكون قادرًا على فهم ومساعدة الآخر»، ولقد كان كيركجارد مثالًا ونموذجًا للوجودى الحى الذى يعيش ما يكتبه عيشة تامة، وكان يقول عن حياته إنها «قصة ذات مغزى من شأنها أن تجعل الناس يعون ويستيقظون»، ويقول أيضًا: «إننا يمكننا أن نعرف الله ونرتبط به بفضل الوجد (الوجدان) والشغف النفسى الداخلى الذى لا حدود له، وكل محاولة يقوم بها الإنسان للوصول إلى معرفة الله عن طريق الحجج والبراهين المنطقية الموضوعية هى محاولة فيها سخف وجهالة»، ويرى أن أى إنسان يقف بعيدًا عن الله ثم يحاول أن يبرهن بالأدلة والحجج على أن الله موجود يكون كمن يفصل نفسه عن الوجد والشغف النفسى الداخلى الذى يستطيع وحده أن يُقرب الإنسان من الله ويوفر له معرفة الله عن كثب، هكذا نرى كيركجارد ينظر إلى الله كمكمل له وأن فى الله وجوده وكيانه ويقول إنه «على المتدين أن يكون ذاته وأن يكون على علاقة وجدانية حميمة مع الله وحده مع جهده الهائل ومسئوليته عن نفسه، وهذه هى البطولة الحقيقية».
أما الوجودية الملحدة ورائدها جان بول سارتر فقد عبر عنها ليس بالتنظير فقط بل أساسًا من خلال تأليفه مسرحيات، إذ قدم فكره فى شكل مسرحيات، وهنا علينا أن نلاحظ أن سارتر أو إلحاد القرن العشرين والواحد والعشرين ليس هو إنكار وجود الله لكن هو رفض الله، وهكذا نسمع عبارات «ليكن الله نسيًا منسيًا»، أو «لتكن لعنة الله على الآلهة». إن إلحاد سارتر ليس من النوع الذى لا يبالى فيه صاحبه، لكن همَّه ليس أن يدلل على عدم وجود الله بقدر ما هو أن يدلل على أن وجود الله ــ بافتراض وجوده ــ حقيقة ليست بأمر ذى بال بالنسبة للبشر، سارتر كان متأثرا بنيتشه، وهو هنا قريب جدًا من فكر الفيلسوف المؤمن كيركيجارد القائل: «إن بيوت العبادة ليست جادة مع الله فى عبادتها له».
***
نستطيع هنا أن نقول ما أقرب المتدين من الملحد وما أبعده عنه، لقد رفض سارتر الله فى عقله والذى كون فكرة خاطئة عنه فى طفولته وحياته.
نتعرف على هذا الإله عن قرب من مسرحيتى سارتر «الذباب» و«الشيطان والرحمن»، فى مسرحية الذباب يبين لنا جوبيتر الذى أسماه إله الأموات، وهو لم يعطه هذا الاسم اعتباطا، لكنه أخذه من الإله اليونانى القديم «جوبيتر» والذى أسماه «إله الأموات»، والمرتبط بأسطورة بروميثوس ذلك الكائن الذى اختلس نارًا من السماء ليخلق منها البشر فغضب عليه جوبيتر وأنزل عليه العقاب، وهو أن يحمل صخرة على كتفيه ويصعد بها إلى قمة الجبل وعند القمة تتدحرج منه إلى الأرض، ويعود فيرفعها هكذا إلى الأبد. وهنا نجد علاقة العداء بين الله والإنسان وفى حوار بين جوبيتر الإله وإيجست يتضح لنا هذا العداء:
إيجست: إنهم يخافون منك!!
جوبيتر: غاية ما أريد، لست بحاجة لأن أكون محبوبًا.
واضح هنا أنه لا يهتم كثيرًا أو قليلًا بحب الناس.
والسؤال الآن موجه إلى بيوت العبادة ورجال الفقه واللاهوت: ما ومن هو الإله الذى يمكن أن نقدمه لشبابنا المعاصر اليوم ويكون مقبولًا لديهم ويقبلون إليه لا بقلوبهم وعواطفهم فقط لكن بفكرهم وقناعاتهم؟!.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تحديات الإلحاد المعاصر تحديات الإلحاد المعاصر



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض - صوت الإمارات
سجّلت النجمات السوريات حضوراً لافتاً في حفل Joy Awards 2026، حيث تحولت السجادة البنفسجية إلى مساحة استعراض للأناقة الراقية والذوق الرفيع، في مشاركة حملت رسائل فنية وجمالية عكست مكانة الدراما السورية عربياً. وتنوّعت الإطلالات بين التصاميم العالمية الفاخرة والابتكارات الجريئة، في مزيج جمع بين الكلاسيكية والعصرية، وبين الفخامة والأنوثة. كاريس بشار خطفت الأنظار بإطلالة مخملية باللون الأخضر الزمردي، جاءت بقصة حورية أبرزت رشاقتها، وتزينت بتفاصيل جانبية دقيقة منحت الفستان طابعاً ملكياً. واكتملت إطلالتها بمجوهرات فاخرة ولمسات جمالية اعتمدت على مكياج سموكي وتسريحة شعر كلاسيكية مرفوعة، لتحتفل بفوزها بجائزة أفضل ممثلة عربية بحضور واثق وأنيق. بدورها، أطلت نور علي بفستان كلوش داكن بتصميم أنثوي مستوحى من فساتين الأميرات، تميز بقصة مكش...المزيد

GMT 04:45 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

اليونيسف تحذر من ضياع جيل كامل من أطفال السودان
 صوت الإمارات - اليونيسف تحذر من ضياع جيل كامل من أطفال السودان

GMT 17:57 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

قاوم شهيتك وضعفك أمام المأكولات الدسمة

GMT 19:50 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

تمرّ بيوم من الأحداث المهمة التي تضطرك إلى الصبر

GMT 04:35 2019 الجمعة ,13 أيلول / سبتمبر

يحمل إليك هذا اليوم تجدداً وتغييراً مفيدين

GMT 18:36 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تنجح في عمل درسته جيداً وأخذ منك الكثير من الوقت

GMT 21:02 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

قد تتراجع المعنويات وتشعر بالتشاؤم

GMT 11:17 2018 الثلاثاء ,09 كانون الثاني / يناير

مدينة سبتوبال البرتغالية لشهر عسل رومانسي وهادئ

GMT 21:53 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يتيح أمامك هذا اليوم فرصاً مهنية جديدة

GMT 16:14 2015 الأحد ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

خفر السواحل التركي يضبط 93 مهاجرًا غير شرعي

GMT 11:57 2012 الجمعة ,12 تشرين الأول / أكتوبر

تعليم الصلاة للأطفال مسؤولية الأمهات

GMT 09:55 2019 الأربعاء ,05 حزيران / يونيو

بيرين سات تثير الجدل بإعلان غير رسمي لطلاقها

GMT 22:42 2019 الثلاثاء ,29 كانون الثاني / يناير

الأميركي رالف لورين من بائع صغير إلى أكثر رجال العالم نجاحًا

GMT 02:21 2018 السبت ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

علي معلول يحذر لاعبي "الأهلي" من الجماهير
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates