بقلم: عمرو الشوبكي
الحدث الثانى الذى شهدته فرنسا الأسبوع الماضى كان انطلاق بشائر المعركة الانتخابية المزمع عقدها فى شهر أبريل من العام المقبل، عقب دعوة جمعية أرباب العمل المرشحين السبعة الأساسيين لانتخابات الرئاسة إلى مؤتمر كبير حضره نحو ٦ آلاف شخص، وتحدثوا فيه عن برامجهم السياسية والاقتصادية والثقافية.
وإذا كانت استطلاعات الرأى ترجح فوز مارين لوبان، مرشحة اليمين المتطرف، إلا أن هذا لم يمنع وجود مرشحين أقوياء آخرين أبرزهم مرشح أقصى اليسار جان لوك ميلنشون، ومرشح يمين الوسط إدوارد فيليب، وكلاهما لديه فرصة فى الصعود للجولة الثانية ومنافسة لوبان، أما وزير الخارجية الفرنسى الأسبق دومنيك دوفيليبان فقد يغير معادلات انتخابات الرئاسة إذا حسم أمره وترشح فيها.
وتمثل انتخابات الرئاسة الفرنسية تتويجا لنمط جديد من الاستقطاب والصراع السياسى استمر لنحو ربع قرن بين تيار أقصى اليمين ممثلا فى حزب التجمع الوطنى، وتيار أقصى اليسار ممثلا فى حزب فرنسا الأبية، ويعتبر وقود هذا الاستقطاب قضية المهاجرين الأجانب والهوية والإسلام ودمج الجيل الثانى من المهاجرين وغيرها. وقد اعتمد الحزب الأول فى جانب رئيسى من كتلته التصويتية على الرافضين للمهاجرين الأجانب والمتشككين فى انتماء الفرنسيين من أصول عربية «للعلمانية الفرنسية»، وفى قدرتهم أن يصبحوا مواطنين «كاملين» مثل الفرنسيين «الأصليين» من أصحاب البشرة البيضاء، ورفع شعار «هجرة صفر» وترحيل المهاجرين غير النظاميين.
أما الحزب الثانى فقد اعتمد فى جانب كبير من كتلته التصويتية على أبناء وأحفاد المهاجرين ممن حملوا جنسية البلد الجديد، وصاروا مواطنين، وكيف أن زعيم الحزب «ميلونشون» كرر فى مناسبات عديدة جملة لها دلالة قائلا: «حين كنت شابا كانت تقريبا نسبة الفرنسيين من أصول مهاجرة ١ إلى ١٠ أما الآن فقد أصبحوا ١ إلى ٤» وأضاف: «آباؤكم وأجدادكم بنوا فرنسا وإياكم أن تقبلوا أن تكون حقوقكم أقل من باقى الفرنسيين»، واعتبر حزبه معبرا عما يسمى «فرنسا الجديدة» التى يعيش فيها مواطنون متساوون فى الحقوق والواجبات من أصول عرقية مختلفة.
صحيح هناك قضايا أخرى تمثل خلافا بين مرشحى انتخابات الرئاسة الفرنسية مثل التعامل مع الدين العام والمالية وسن التقاعد وقضايا التصنيع والأجور وغيرها، وهى قضايا تمثل تباينا صحيا تعرفه كل الديمقراطيات الغربية، ولكن ستظل قضايا الاستقطاب الحقيقى والعميق بين تيارين يحملان موقفا متناقضا من قضايا الهجرة والمهاجرين والهوية وشكل فرنسا الجديدة والموقف من الإسلام ومن إسرائيل، وهى مؤشرات تقول إن الانتخابات المقبلة ستشهد أقصى درجات الاستقطاب السياسى فى فرنسا بين أقصى اليمين وأقصى اليسار، وستضع الديمقراطية الفرنسية والغربية أمام تحديات جديدة بعضها اعتادت عليه وتجاوزته، وبعضها الآخر سيمثل تحديا حقيقيا لها، خاصة فيما يتعلق بالحقوق القانونية والدستورية لفرنسيين من أصول مهاجرة، ولم يعودوا مهاجرين إنما صاروا مواطنين كاملى الأهلية.