الشباب العربي والهوية والعنف

الشباب العربي والهوية والعنف

الشباب العربي والهوية والعنف

 صوت الإمارات -

الشباب العربي والهوية والعنف

بقلم : د. عمار علي حسن

  يسهم التعصب للهوية في تغذية الأسباب التي تؤدي إلى العنف، لاسيما خلال فترة الشباب التي تعد أعلى مرحلة عمرية يميل فيها الفرد إلى ممارسة العنف المادي واللفظي والرمزي. فالتطلع إلى المستقبل، والميل الطبيعي إلى الانتماء لأي جماعة رئيسية أو ثانوية، والرغبة القوية في التغيير، يدفع الشباب إلى حالة من الفوران الدائم، لاسيما مع توافر طاقة إنسانية مشبعة بالحماس والحيوية والاندفاع والتضحية، ونزوع إلى الاستقلال والاعتداد بالنفس، مع طغيان لمشاعر القلق، وتعزز الأمل في مواقف مثالية، أو حدية لا تقبل الحلول الوسط، ولا الوقوف في منتصف المسافات، من دون إهمال الاحتياجات الذاتية المرتبطة برغبة الشاب في بناء أسرة وتأمين مستوى معيشة مناسب.

وإلى جانب هذه السمات النفسية والاحتياجات الاجتماعية والانحيازات السياسية، هناك مسألتان مهمتان ومتناقضتان إلى حد كبير، تمسان تأثير قضية الهوية على قيام تصرفات عنيفة من قبل الشباب، هما:
1- تنامي أزمة الهوية: وهي إحدى أزمات التنمية السياسية، لاسيما في المجتمعات الجديدة، التي يغلب فيها بعض الأفراد انتماءاته العشائرية والقبلية والطائفية على الانتماء للمجتمع الأول، أو الدولة، الأمر الذي يخلق تنازعاً نفسياً داخل الشخص بين هذين الانتماءين. ولا تقف هذه الأزمة عند حدود المشكلات الثقافية الداخلية من قبيل الصراع بين الحضري والريفي أو العصرية والتقليدية أو الفجوة بين الحاكمين والمحكومين، بل قد تصل إلى حد الصراع المفتوح بين الثقافة الوطنية والثقافات الوافدة، وبين الخصوصية الذاتية وبين السيطرة الأجنبية.

وسك إريكسون عبارة «أزمة الهوية» في أربعينيات القرن العشرين، قاصداً به من فقدوا الإحساس بالتماثل الشخصي والاستمرارية التاريخية، وبهذا الاعتبار ينفصل هذا الفرد عن الثقافة التي تستطيع أن تهبه التماسك النفسي أو تمنحه إحساسه بنفسه. وقد بات هذا المصطلح يستخدم لوصف مرحلة الشباب، التي هي من أهم مراحل التطور النفسي والجسدي والاجتماعي للإنسان.


2- تأثير العولمة: طرأت على العالم المعاصر تغيرات عميقة هزت الثوابت التقليدية التي كانت المجتمعات تستند إليها، ودفعت بعض علماء الاجتماع إلى إعادة النظر في التصورات التقليدية لدراسة الجماعة البشرية، والتي كانت تنطلق من أن المجتمع تعينه وتضبطه وتنظم تفاعلاته حدود الدولة القومية، واستبدال ذلك بدراسة تأثير المجتمع الكوني على المجتمع المحلي، والدعوة إلى تأسيس علم اجتماع التدفق بديلاً عن علم اجتماع الأبنية. فالمعلومات والقيم والأفكار والسلع التي تتدفق بلا هوادة ورحلات السفر والهجرة التي تنتهي بين الشمال والجنوب، وتوحش أنماط الاستهلاك واتساع رقعة الفقر والتهميش، تؤدي جميعاً إلى فتح أبواب جديدة للعنف.

3- حمولات الثقافة الدينية: من ضمن الرؤى السائدة اليوم في فهم أسباب العنف ومبرراته هناك اتجاه يرجع العنف إلى تأويلات فاسدة للنص الديني. وهذا السبب كان المسؤول الأول عن أشكال شتى من العنف مورست في العالم العربي من المحيط إلى الخليج على مدار العقود الأربعة المنصرمة، انزلقت في بعض الأحيان والأماكن إلى إرهاب. فالتنظيمات والجماعات السياسية ذات الإسناد الديني انتقلت من «الدعوة» إلى ما أسمته «الجهاد» الذي لم يقف عند حد التمرد على السلطات الحاكمة، بل وصل إلى النيل من المجتمع.

ومن يمعن النظر في السياقات المحيطة يجد أن الشباب العربي يسكن قلب أوطان تعتمد التمييز بكفاءة بالغة وتنوع هائل، والعائلات الكبرى تستحوذ على عناصر القوة، والأثرياء يملكون المال وطاقات الفقراء ومصائرهم، والحضر يتعالى على الريف الفقير، والريف يتعالى على النجوع، والرجال هم العناصر الأرقى من النساء، والفقيرات هن الأقل قدراً من غيرهن، والأسوياء أكثر حظاً من الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يشكلون 10% من لمجتمع العربي تقريباً.

ومع تفشي البطالة وإصرار الكبار على ممارسة الوصاية على الشباب في نظام «أبوي» جامد، ينشأ صراع أجيال حاد، وانسداد الأفق السياسي بفعل استشراء الفساد، وازدياد حجم الغبن الاجتماعي، وشيوع ثقافات تقليدية ودينية نازعة إلى الجمود والتشدد، واستفحال الشعور بالقهر والظلم والهوان حيال العالم الخارجي، يجد الشباب العربي نفسه مدفوعاً إلى الانزلاق إلى ارتكاب العنف بشتى صوره الرمزية واللفظية والمادية، وهي لا حالة لا شفاء منها دون انقضاء الأسباب التي تؤدي إليها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الشباب العربي والهوية والعنف الشباب العربي والهوية والعنف



GMT 14:48 2018 الأربعاء ,05 أيلول / سبتمبر

المنصوري والنيادي عند شغاف النجوم

GMT 14:46 2018 الأربعاء ,05 أيلول / سبتمبر

كان يراقبهم يكبرون

GMT 14:44 2018 الأربعاء ,05 أيلول / سبتمبر

كل هذا الحب

GMT 14:43 2018 الأربعاء ,05 أيلول / سبتمبر

رواية عظيمة لا تعرفها

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 19:05 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة
 صوت الإمارات - تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول

GMT 12:24 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

منصور بن زايد يبحث العلاقات مع كازاخستان

GMT 13:38 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محاكم دبي تعرض خدماتها الذكية في مؤتمر دولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates