رسائل عن تسامح المصريين

رسائل عن تسامح المصريين

رسائل عن تسامح المصريين

 صوت الإمارات -

رسائل عن تسامح المصريين

عمار علي حسن
بقلم : عمار علي حسن

لا يعبر عن التسامح تعبيراً صادقاً أميناً أكثر من التجارب الذاتية، فكثير من الكتب النظرية التي تم تأليفها عن هذه القيمة الأخلاقية والفلسفية والسياسية العظيمة، كانت مجرد «ينبغيات» أو «تفكير بالتمني» في عالم يصطلي بنار التعصب والكراهية والأحادية والاستعلاء والعنصرية. ورغم أهمية هذه الكتب، بالطبع، في وضع نقطة مركزية ننطلق منها، أو رسم إطار نُحيل إليه في معرفة المسائل المرتبطة بالتكيف وقبول الآخر والتوافق بشأنه ومحاورته، وصولاً إلى التفاهم العميق معه، فإنها تظل طيلة الوقت رؤى محلقة في الفراغ، لا يمكن أن تسكن على الأرض وتدب، ونطمئن إلى إمكانية تحقيقها بالفعل إلا بممارسات واقعية، تقول لنا بوضوح وجلاء إن هناك من لديه قدرة على عبور الصعوبات والمفازات والحضارات، وتجاوز الصور النمطية والتصورات المشوهة ليبني جسوراً حقيقية من الفهم والقبول والتعايش.

واحدة من هذه التجارب القديمة العميقة الثرية، هي التي خطها بنان الكاتبة والمترجمة الإنجليزية «ليدي دوف جوردون»، التي جاءت إلى مصر عام 1862 للاستشفاء من داء الدرن، وصاغتها في رسائل بعثت بها إلى زوجها وأمها وابنتها، حتى وافتها المنية ودفنت في مصر عام 1869، وهي رسائل كانت من الأهمية والثراء والدلالة وعظمة الدور والوظيفة، بما لفت انتباه الأديب الكبير الأستاذ إبراهيم عبد المجيد كي يعطيها من وقته، رغم أن ذهنه ووجدانه مزدحم بكثير من الروايات والقصص القصيرة التي هي بحاجة ماسة إلى الكتابة، فيقوم بترجمتها في كتاب أقبل عليه القراء إقبالاً لافتاً، وكأن أهل الشرق يحنون إلى إنصاف من أهل الغرب، حتى لو كان نصاً يعود إلى قبل مئة وخمسين عاماً.
إنها رسائل نادرة في وضع قنطرة، ولو رقيقة التكوين والتعبيد، بين الشرق والغرب، وسط التعبئة الحمراء التي لم تكف عن قرع طبول الحرب منذ حرب الفرنجة (الحروب الصليبية)، وإلى الآن، وكذلك وسط الرؤى المنغلقة التي ترى أن «الغرب غرب، والشرق شرق، ولن يلتقيا أبداً»، لاسيما أنها لم تكن رسائل من جاسوس أو محارب، أو حتى مستشرق جاء كرأس حربة لمشروع استعماري، أو حتى بدافع الدراسة والعلم ومعرفة الآخر، إنما هي انفعال أديبة بالبشر والمكان والظروف والأحوال والطقوس وكل تفاصيل الحياة اليومية لأناس من لحم ودم، مصاغة في ثوب أدبي بديع، تعبر عن كم كانت هي ممتنة في سنواتها الأخيرة لمصريين برهنوا لها على أن كل الصور النمطية، التي كانت سائدة في بلادها قبل قدومها إلى مصر، لم تكن سوى محض كذب وافتراء.
قبل ثلاثة عشر عاماً من احتلال بلادها لمصر، كانت «ليدي» تلاحق ذويها بكلمات ليس لها علاقة أبداً بالدم والرصاص والاستغلال الاقتصادي، إنما بما بين البشر من أشواق وآمال وتطلعات مشتركة، وكانت قبل الكلمات تتحدث في كل من حولها من أهل صعيد مصر، بما جعلهم يقبلون عليها إقبالاً شديداً، فيبتهلون إلى الله في صلواتهم وفي موالد الأولياء، أن يمن عليها بالشفاء، وهي التي لقبوها بـ«البشوشة» و«نور على نور» و«الست» و«الشيخة»، ورأوا أن فيها خيراً أكبر بكثير من الشر الذي ولدته إحن وأحقاد زكّاها المتحمسون للصراع بين الأديان والثقافات.
لقد لمس إبراهيم عبد المجيد، وهو أحد الساردين الكبار في الأدب العربي المعاصر، كيف كانت صاحبة هذه الرسائل ترى الحياة رحبة وسيعة وأنها تستحق أن تعاش ما دام فيها طيبون، فرغم أن صاحبة الرسائل كانت تذوي مع مطلع شمس كل يوم جديد، فإنها انفعلت مع تفاصيل العيش في صعيد مصر، وطوعت لغتها لتخدم تلقائيتها وتدفقها، الممزوجة فيه الشفاهية بالكتابية، والحضور بالغياب، فصنعت نصاً يتخطى كل السدود والحدود المقامة عبثاً بين الناس في المشرق والمغرب، ويكسر كل القيود التي تفرض على كاتبة غربية حرة ضربت كل الأكاذيب التي رسموها على سنابك الخيل وجنازير الدبابات، ولم تكن ضربتها الواهنة هذه سوى رسائل ملأت كتاباً يربو على خمسمائة صفحة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رسائل عن تسامح المصريين رسائل عن تسامح المصريين



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 19:05 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة
 صوت الإمارات - تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول

GMT 12:24 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

منصور بن زايد يبحث العلاقات مع كازاخستان

GMT 13:38 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محاكم دبي تعرض خدماتها الذكية في مؤتمر دولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates