الأبواق والتوت البري في نقد هيمنة المال
آخر تحديث 00:19:35 بتوقيت أبوظبي
 صوت الإمارات -

"الأبواق والتوت البري" في نقد هيمنة المال

 صوت الإمارات -

 صوت الإمارات - "الأبواق والتوت البري" في نقد هيمنة المال

حين وقف المسرحي الإيطالي داريو فو عام 1997 ليتسلم جائزة نوبل، شكر لجنتها، وأفاض سخرية بمنح الجائزة العالمية الأرفع له باعتباره "مهرّجا" من قبيلة كبيرة من المهرجين "يشهّرون بالناس ويشتمونهم". تلك العبارة الساخرة ليست نشازا في مجمل إبداع نقدي طويل للكاتب الإيطالي لم يفارقه في آرائه ولا في منجزه المسرحي، ويصاحبه وهو المثقف الملتزم بقضايا التحرر والعدالة الاجتماعية، معبرا عنها بلغة تطفح سخرية.وفي آخر إصداراته المترجمة إلى العربية "الأبواق والتوت البري" الصادرة مؤخرا عن المجلس الوطني للآداب والفنون بالكويت، من ترجمة د. سامية دياب، يعود فو إلى زمن الثمانينيات بعد حادثة زلزلت إيطاليا عام  1978، وهي مقتل رئيس وزرائها آنذاك ألدو مورو على يد منظمة الألوية الحمراء.بيد أن ذلك الاستدعاء يبنيه على مفارقة (سؤال). فكيف سيكون بالمقابل رد الحكومة الإيطالية على اختطاف السيد "جياني أنيلي" مالك صناعة السيارات والشركة الشهيرة (فيات)، وصاحب الإمبراطورية الاقتصادية الهائلة؟ وهل ستتركه لأقداره وقد اختطفته عصابة إرهابية كما فعلت مع مورو؟ مقاربا ذلك في نص المسرحي يعاين جدل المال والسلطة. تنفتح ستارة الحكاية النص في فصل أول على إحدى المستشفيات، حيث تذهب السيدة "روزا" للتعرف على زوجها "أنطونيو" الذي تعرض لحادث، وضاعت ملامحه تماما، ليتم تركيب وجه أنطونيو للسيد (جياني أنيللي).الذي يظهر فيما بعد باسم شخصية "المزدوج".وفي لحظة يظهر أنطونيو (عامل شيوعي في شركة فيات) وعشيقته "لوتشينا" ليقدم هو الحكاية ويصححها، فهو ما زال حيا، وهو من أنقذ أنيلي، عندما تعرض لمحاولة اغتيال وقام بإلباسه سترته، حتى أنه ترك وثيقة انتمائه للحزب الشيوعي فيها.ويتحول للمفارقة إمبراطور الاقتصاد الإيطالي إلى عامل في شركته، حيث يسترد ذاكرته هناك، ويتعرف على معاناة عماله وكرههم له، ويصبح عضوا في نقابة العمال، في مشهد يقدم فيه فو مفارقة تحول الإنسان من يميني يستغل عرق الكادحين إلى مدافع عن حقوقهم. ويقرر "المزدوج" في لحظة ما أن يبعث برسائل الى الحكومة الإيطالية كتلك التي بعثها ألدو مورو وهو مختطف. وإذا كانت الحكومة قد رفضت في وقت ما مبادلة مورو بأفراد مسجونين من الألوية الحمراء، فإنها ترضخ في النهاية لطلبات أنيلي رغم أن طلبه كان مبادلته بضعف عدد السجناء الذي رغبت المنظمة مبادلتهم برئيس وزراء إيطاليا المخطوف.تلك مقاربة يقدمها فو الذي يستند إلى خلفية ماركسية بانتصار وهيمنة المال على السلطة، التي ترتبط بعلاقة مقدسة معه. وفي الحوارات التي تعج بها المسرحية استشهادات كثيرة بكتاب كارل ماركس "رأس المال"، كما تنتهي المسرحية على حركة إيمائية يشير بها أنيلي إلى أحد الضباط بإصبعه -كما في "لوحة الخلق" الشهيرة لمايكل أنجلو- قائلا "أنا خلقتك".من خلال لغة مكثفة ساخرة وناقدة، يقدم فو نصا مسرحيا يجمع بين عناصر المتعة والفكرة الجادة الباعثة على التأمل في الواقع  السياسي والاجتماعي، ويطرح بوضوح مواقفه السياسية الناقدة "لرأس المال المتوحش"، وما يرافقه من فساد شمل أجهزة القضاء والبوليس ومؤسسات الدولة الأخرى، معرجا على قضايا عالمية ومواقف شخصيات شهدتها تلك الحقبة (أوائل الثمانينيات)، لكن المواطن المستلب والمقهور، الذي جسده "أنطونيو"، يبقى جوهر الفكرة والعمل المسرحي. ويفيض الكاتب الإيطالي في نصه وحكايته المسرحية بلغته الساحرة والساخرة معا بكثير من شاعرية اللغة وتهكم وسخرية سوداء لا يمل منها المشاهدون، كما يفعل دائما في نصوص تتحول إلى مسرحيات وأخرى تبقى نصوصا كتابية من غير رؤية إخراجية.وفي معرض تقديمه لمسرحية فو يرى الناقد والأكاديمي د.أيمن الشيوي أن مصطلح الظاهرة بمعناه العلمي ينطبق على شخصية داريو فو باعتباره نوعا من الفنانين الذين لم يتكرروا كثيرا، فهو المؤلف والممثل والمخرج ومصمم الديكور والموسيقي ومصمم الاستعراضات، إضافة إلى كونه صاحب الفرقة وصاحب موقف اجتماعي وسياسي واضح.ويطرح فو بحسب الشيوي تساؤلا مهما حول وظيفة الفن ودور الفنان وعلاقته بالمجتمع الذي يعيش فيه، سواء المجتمع الصغير أي البلد الذي يعيش فيه، انطلاقا إلى مجتمع أوسع وأرحب وهو المجتمع الدولي أو العالم.وكان فو المولود عام 1926 في مقاطعة "لومبارديا" قد منع من دخول الولايات المتحدة الأميركية بين الأعوام 1980 و1984، لانتمائه لمنظمة تدعم السجناء. وإثر حصوله على نوبل عام 1997 واصل عمله المسرحي بعد وصول رئيس الوزراء الإيطالي سيلفو برلسكوني إلى الحكم، مقدما مسرحيتي "الملك أوبو يسقط الملك" و"دماغ غريب ذو شطرين".ومنحته جامعة ولفر هامتون البريطانية الدكتوراه الشرفية مع زوجته فرانكا لإسهاماتهما في المجال المسرحي، وهو ما فعلته أيضا جامعة السوربون الفرنسية عام 2005 وجامعة روما  عام 2006.

emiratesvoice
emiratesvoice

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأبواق والتوت البري في نقد هيمنة المال الأبواق والتوت البري في نقد هيمنة المال



GMT 01:28 2023 الثلاثاء ,03 كانون الثاني / يناير

"أنت تشرق. أنت تضيء" رشا عادلي ترسم لوحة مؤطرة

GMT 05:28 2022 الثلاثاء ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محمد حسن خلف يصدر دراسة أسلوبية لسورة القمر

GMT 01:16 2021 الإثنين ,29 آذار/ مارس

حكايات من دفتر صلاح عيسى في كتاب جديد

GMT 00:28 2021 السبت ,30 كانون الثاني / يناير

"بنات كوباني" كتاب أميركي عن هزيمة "داعش"

GMT 12:02 2021 الجمعة ,29 كانون الثاني / يناير

67 كتاباً جديداً ضمن "المشروع الوطني للترجمة" في سورية

نجوى كرم تعيد صيحة الجلد إلى الواجهة بإطلالات عصرية

بيروت - صوت الإمارات
تواصل الفنانة اللبنانية نجوى كرم إبراز صيحة الجلد كواحدة من الخامات الأساسية في خزانتها، حيث تعود إليها بأساليب متجددة تتنقل خلالها بين القصّات اللافتة والألوان الجريئة. وفي أحدث ظهور لها من العاصمة الفرنسية باريس، شاركت كرم متابعيها صورة أمام برج إيفل عشية حفلها المرتقب على مسرح قصر المؤتمرات، حيث اعتمدت جمبسوت من الجلد الأسود بقصة محددة عند القوام مع حزام يبرز الخصر، وبرزت فيه تفاصيل الخياطة باللون الأبيض التي حددت أطراف الجيوب والسروال بأسلوب عصري، إلى جانب جاكيت جلدية قصيرة بأسلوب الترنش مع ياقة عريضة وتفاصيل كلاسيكية عند الكتفين، واكتمل اللوك بنظارات شمسية سوداء مستطيلة وحقيبة يد جلدية سوداء مزينة بتفاصيل معدنية بارزة، مع تسريحة شعر منسدل بتدرجات بنيّة ومكياج ناعم يرتكز على الشفاه البارزة بدرجات النود. وتستعيد خÙ...المزيد

GMT 10:54 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أحدث سعيدة خلال هذا الشهر

GMT 18:51 2021 الأربعاء ,10 شباط / فبراير

طموحات وأحلام لمؤدي رقصات التنين في فيتنام

GMT 03:55 2018 الأربعاء ,10 كانون الثاني / يناير

جزر الملكة شارلوت في كندا رحلة إلى العزلة على حافة العالم

GMT 21:56 2017 الثلاثاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

السجاد اليدوي الكردي جزء من التراث والفلكلور في كردستان

GMT 07:58 2018 الخميس ,18 تشرين الأول / أكتوبر

محمد بن راشد لملايين "الطلبة العرب" مستقبلكم هو التعليم

GMT 02:58 2018 الثلاثاء ,09 تشرين الأول / أكتوبر

حسن الرداد يكشف مفاجآت لجمهوره في "تخاريف" الاثنين المقبل
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates