الأبواق والتوت البري في نقد هيمنة المال
آخر تحديث 18:58:49 بتوقيت أبوظبي
 صوت الإمارات -

"الأبواق والتوت البري" في نقد هيمنة المال

 صوت الإمارات -

 صوت الإمارات - "الأبواق والتوت البري" في نقد هيمنة المال

حين وقف المسرحي الإيطالي داريو فو عام 1997 ليتسلم جائزة نوبل، شكر لجنتها، وأفاض سخرية بمنح الجائزة العالمية الأرفع له باعتباره "مهرّجا" من قبيلة كبيرة من المهرجين "يشهّرون بالناس ويشتمونهم". تلك العبارة الساخرة ليست نشازا في مجمل إبداع نقدي طويل للكاتب الإيطالي لم يفارقه في آرائه ولا في منجزه المسرحي، ويصاحبه وهو المثقف الملتزم بقضايا التحرر والعدالة الاجتماعية، معبرا عنها بلغة تطفح سخرية.وفي آخر إصداراته المترجمة إلى العربية "الأبواق والتوت البري" الصادرة مؤخرا عن المجلس الوطني للآداب والفنون بالكويت، من ترجمة د. سامية دياب، يعود فو إلى زمن الثمانينيات بعد حادثة زلزلت إيطاليا عام  1978، وهي مقتل رئيس وزرائها آنذاك ألدو مورو على يد منظمة الألوية الحمراء.بيد أن ذلك الاستدعاء يبنيه على مفارقة (سؤال). فكيف سيكون بالمقابل رد الحكومة الإيطالية على اختطاف السيد "جياني أنيلي" مالك صناعة السيارات والشركة الشهيرة (فيات)، وصاحب الإمبراطورية الاقتصادية الهائلة؟ وهل ستتركه لأقداره وقد اختطفته عصابة إرهابية كما فعلت مع مورو؟ مقاربا ذلك في نص المسرحي يعاين جدل المال والسلطة. تنفتح ستارة الحكاية النص في فصل أول على إحدى المستشفيات، حيث تذهب السيدة "روزا" للتعرف على زوجها "أنطونيو" الذي تعرض لحادث، وضاعت ملامحه تماما، ليتم تركيب وجه أنطونيو للسيد (جياني أنيللي).الذي يظهر فيما بعد باسم شخصية "المزدوج".وفي لحظة يظهر أنطونيو (عامل شيوعي في شركة فيات) وعشيقته "لوتشينا" ليقدم هو الحكاية ويصححها، فهو ما زال حيا، وهو من أنقذ أنيلي، عندما تعرض لمحاولة اغتيال وقام بإلباسه سترته، حتى أنه ترك وثيقة انتمائه للحزب الشيوعي فيها.ويتحول للمفارقة إمبراطور الاقتصاد الإيطالي إلى عامل في شركته، حيث يسترد ذاكرته هناك، ويتعرف على معاناة عماله وكرههم له، ويصبح عضوا في نقابة العمال، في مشهد يقدم فيه فو مفارقة تحول الإنسان من يميني يستغل عرق الكادحين إلى مدافع عن حقوقهم. ويقرر "المزدوج" في لحظة ما أن يبعث برسائل الى الحكومة الإيطالية كتلك التي بعثها ألدو مورو وهو مختطف. وإذا كانت الحكومة قد رفضت في وقت ما مبادلة مورو بأفراد مسجونين من الألوية الحمراء، فإنها ترضخ في النهاية لطلبات أنيلي رغم أن طلبه كان مبادلته بضعف عدد السجناء الذي رغبت المنظمة مبادلتهم برئيس وزراء إيطاليا المخطوف.تلك مقاربة يقدمها فو الذي يستند إلى خلفية ماركسية بانتصار وهيمنة المال على السلطة، التي ترتبط بعلاقة مقدسة معه. وفي الحوارات التي تعج بها المسرحية استشهادات كثيرة بكتاب كارل ماركس "رأس المال"، كما تنتهي المسرحية على حركة إيمائية يشير بها أنيلي إلى أحد الضباط بإصبعه -كما في "لوحة الخلق" الشهيرة لمايكل أنجلو- قائلا "أنا خلقتك".من خلال لغة مكثفة ساخرة وناقدة، يقدم فو نصا مسرحيا يجمع بين عناصر المتعة والفكرة الجادة الباعثة على التأمل في الواقع  السياسي والاجتماعي، ويطرح بوضوح مواقفه السياسية الناقدة "لرأس المال المتوحش"، وما يرافقه من فساد شمل أجهزة القضاء والبوليس ومؤسسات الدولة الأخرى، معرجا على قضايا عالمية ومواقف شخصيات شهدتها تلك الحقبة (أوائل الثمانينيات)، لكن المواطن المستلب والمقهور، الذي جسده "أنطونيو"، يبقى جوهر الفكرة والعمل المسرحي. ويفيض الكاتب الإيطالي في نصه وحكايته المسرحية بلغته الساحرة والساخرة معا بكثير من شاعرية اللغة وتهكم وسخرية سوداء لا يمل منها المشاهدون، كما يفعل دائما في نصوص تتحول إلى مسرحيات وأخرى تبقى نصوصا كتابية من غير رؤية إخراجية.وفي معرض تقديمه لمسرحية فو يرى الناقد والأكاديمي د.أيمن الشيوي أن مصطلح الظاهرة بمعناه العلمي ينطبق على شخصية داريو فو باعتباره نوعا من الفنانين الذين لم يتكرروا كثيرا، فهو المؤلف والممثل والمخرج ومصمم الديكور والموسيقي ومصمم الاستعراضات، إضافة إلى كونه صاحب الفرقة وصاحب موقف اجتماعي وسياسي واضح.ويطرح فو بحسب الشيوي تساؤلا مهما حول وظيفة الفن ودور الفنان وعلاقته بالمجتمع الذي يعيش فيه، سواء المجتمع الصغير أي البلد الذي يعيش فيه، انطلاقا إلى مجتمع أوسع وأرحب وهو المجتمع الدولي أو العالم.وكان فو المولود عام 1926 في مقاطعة "لومبارديا" قد منع من دخول الولايات المتحدة الأميركية بين الأعوام 1980 و1984، لانتمائه لمنظمة تدعم السجناء. وإثر حصوله على نوبل عام 1997 واصل عمله المسرحي بعد وصول رئيس الوزراء الإيطالي سيلفو برلسكوني إلى الحكم، مقدما مسرحيتي "الملك أوبو يسقط الملك" و"دماغ غريب ذو شطرين".ومنحته جامعة ولفر هامتون البريطانية الدكتوراه الشرفية مع زوجته فرانكا لإسهاماتهما في المجال المسرحي، وهو ما فعلته أيضا جامعة السوربون الفرنسية عام 2005 وجامعة روما  عام 2006.

emiratesvoice
emiratesvoice

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأبواق والتوت البري في نقد هيمنة المال الأبواق والتوت البري في نقد هيمنة المال



GMT 01:28 2023 الثلاثاء ,03 كانون الثاني / يناير

"أنت تشرق. أنت تضيء" رشا عادلي ترسم لوحة مؤطرة

GMT 05:28 2022 الثلاثاء ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محمد حسن خلف يصدر دراسة أسلوبية لسورة القمر

GMT 01:16 2021 الإثنين ,29 آذار/ مارس

حكايات من دفتر صلاح عيسى في كتاب جديد

GMT 00:28 2021 السبت ,30 كانون الثاني / يناير

"بنات كوباني" كتاب أميركي عن هزيمة "داعش"

GMT 12:02 2021 الجمعة ,29 كانون الثاني / يناير

67 كتاباً جديداً ضمن "المشروع الوطني للترجمة" في سورية

النجمات العربيات يخطفن الأنظار بإطلالات تراثية في مهرجان فينيسيا

فينيسيا - صوت الإمارات
شهدت السجادة الحمراء لفعاليات مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في دورته الـ83 حضوراً لافتاً للنجمات والمشاهير العرب وأصحاب الأصول العربية، اللاتي تألقن بتصاميم جمعت بين الفخامة والعصرية إلى جانب الأزياء التراثية. وكان من أبرز الإطلالات ظهور المؤثرة مريم محمد بثوب فاخر مستوحى من التراث الإماراتي باللون الأسود المطرز بالخرز والشراشيب مع مجوهرات ذهبية تقليدية. بينما تألقت الإعلامية ريا أبي راشد بفستان أبيض مطرز، وآخر فضي بأسلوب الكاب، إلى جانب فستان عنابي بياقة كاشفة للأكتاف وشال طويل. كما ظهرت الفنانة يارا السكري بإطلالتين لافتتين؛ الأولى بفستان عاجي من الدانتيل وياقة من الفرو، والثانية بفستان أسود مطرز بالريش والخرز. وتألقت المؤثرة زينب البلوشي بفستان عاجي محدد للقوام، بينما اختارت المخرجة التونسية كوثر بن هنية فستان...المزيد

GMT 17:29 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أمامك فرص مهنية جديدة غير معلنة

GMT 08:53 2020 الأربعاء ,01 تموز / يوليو

ما كنت تتوقعه من الشريك لن يتحقق مئة في المئة

GMT 01:32 2018 الثلاثاء ,27 آذار/ مارس

عمرو يوسف وصبا مبارك يصوران "طايع" فى سقارة

GMT 15:26 2017 الخميس ,28 كانون الأول / ديسمبر

ليلى علوي سعيدة بتكريم الفنان سمير صبري لوالدتها

GMT 00:39 2019 الإثنين ,08 إبريل / نيسان

الويلزي غاريث بيل يضع ريال مدريد في أزمة كبيرة

GMT 13:51 2019 الإثنين ,14 كانون الثاني / يناير

مصر تُطالب لندن باستئناف الرحلات إلى شرم الشيخ

GMT 23:14 2018 الخميس ,04 تشرين الأول / أكتوبر

خطة الحكومة في هيكلة قطاع الأعمال العام
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates