أثبتت عائشة وهاب أن المسار من طفولة قاسية داخل نظام الرعاية البديلة إلى أروقة الكونغرس الأمريكي ليس مستحيلاً، بعدما حققت فوزاً تاريخياً في الانتخابات الخاصة بولاية كاليفورنيا، لتصبح أول أمريكية من أصل أفغاني تُنتخب لعضوية الكونغرس، في سباق احتدم حتى اللحظات الأخيرة وشهد إنفاق ملايين الدولارات لدعم منافستها ومهاجمة حملتها.
وفازت وهاب، العضو الديمقراطي في مجلس شيوخ ولاية كاليفورنيا، على منافستها الديمقراطية ميليسا هيرنانديز في الدائرة الرابعة عشرة بالولاية، بعدما حصلت على نحو 53 في المئة من الأصوات مقابل نحو 47 في المئة لهيرنانديز، وفق النتائج المنشورة في مقاطعة ألاميدا.
وقالت وهاب إن النتيجة أثبتت أن دائرتها الانتخابية "لا يمكن شراؤها"، في إشارة إلى الأموال الكبيرة التي أنفقتها جماعات سياسية لدعم منافستها أو مهاجمة حملتها. وأضافت أن انتقالها "من دور الرعاية إلى الكونغرس" يجسد ما يمكن تحقيقه في إطار الحلم الأمريكي.
وأقرت هيرنانديز بنتيجة الانتخابات، لكنها أكدت استعدادها لخوض المنافسة مجدداً في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، عندما يجرى الاقتراع على ولاية كاملة في مجلس النواب. وستواجه وهاب في ذلك الاستحقاق منافستها مرة أخرى في دائرة انتخابية معدلة تضم نحو 26 ألف ناخب إضافي من مدينة دبلن.
وبفوزها الحالي، ستكمل وهاب ما تبقى من ولاية النائب الديمقراطي السابق إريك سوالويل حتى يناير/كانون الثاني المقبل، قبل أن تخوض المعركة الانتخابية للفوز بولاية كاملة. وبعد أدائها اليمين، سيرتفع عدد مقاعد الديمقراطيين في مجلس النواب إلى 213 مقعداً، مقابل 218 للجمهوريين.
وُلدت عائشة وهاب في نيويورك عام 1987 لوالدين لاجئين من أفغانستان، وعاشت طفولة شهدت مآسي عائلية مبكرة. فقد قُتل والدها عندما كانت طفلة، ثم توفيت والدتها في سن مبكرة، ما أدى إلى وضعها وشقيقتها في نظام الرعاية البديلة، قبل أن تتبناهما أسرة في منطقة خليج سان فرانسيسكو.
وتركت هذه التجارب أثراً عميقاً في مسيرتها، ولا سيما بعد أن واجهت أسرتها لاحقاً صعوبات اقتصادية قاسية. ففي عام 2011، خسرت الأسرة منزلها بعد تعثرها في سداد الرهن العقاري، كما فقد والداها بالتبني عملهما، بينما فقدت وهاب وظيفتها. ومع انتقال الأسرة إلى مدينة هايوارد بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، بدأت وهاب حضور اجتماعات المجلس المحلي والانخراط في جهود المطالبة بمساكن ميسورة التكلفة.
وقبل دخولها عالم السياسة، عملت وهاب في منظمات غير ربحية وفي مجال تنظيم المجتمع والتكنولوجيا، وحصلت على بكالوريوس في العلوم السياسية وماجستير في إدارة الأعمال، ثم نالت درجة الدكتوراه في العمل الاجتماعي.
وكان وصولها إلى الكونغرس تتويجاً لسلسلة من المحطات السياسية التي كسرت خلالها حواجز تاريخية. ففي عام 2018، فازت بعضوية مجلس مدينة هايوارد، لتصبح أول امرأة أمريكية من أصل أفغاني تُنتخب لمنصب عام في الولايات المتحدة.
وبعد أربع سنوات، انتُخبت لعضوية مجلس شيوخ ولاية كاليفورنيا، لتصبح أول أمريكية من أصل أفغاني وأول امرأة مسلمة تصل إلى المجلس التشريعي للولاية.
وعُرفت وهاب خلال مسيرتها السياسية بمواقفها التقدمية وتركيزها على قضايا الإسكان وعدم المساواة الاقتصادية وحقوق العمال والفئات الأقل تمثيلاً. كما أثارت جدلاً بسبب مشروع قانون تقدمت به لحظر التمييز على أساس الطبقة الاجتماعية أو "الكاست" في كاليفورنيا، إلا أن حاكم الولاية غافين نيوسوم استخدم حق النقض ضد المشروع.
وجاء فوزها الأخير بعد حملة انتخابية شهدت إنفاقاً ضخماً من جماعات سياسية خارجية لدعم هيرنانديز أو مهاجمة سجل وهاب السياسي. وبحسب تقارير إعلامية أمريكية، أنفقت لجان عمل سياسي مرتبطة بجماعات مؤيدة لإسرائيل نحو 6.4 ملايين دولار في السباق، بينها أموال دعمت هيرنانديز أو استهدفت وهاب بحملات سلبية.
وكانت مواقف وهاب من الحرب في غزة من أبرز الملفات التي حضرت في الحملة الانتخابية، إذ وصفت ما يحدث للفلسطينيين في القطاع بأنه "إبادة جماعية"، كما عارضت تشريعاً في كاليفورنيا أثار مخاوف منظمات مدافعة عن حرية التعبير على خلفية الاحتجاجات الجامعية المرتبطة بالحرب.
وساهم الإنفاق الكبير على الحملة في تضييق الفارق بين وهاب وهيرنانديز، بعدما كانت وهاب قد تفوقت على منافستها بأكثر من 20 نقطة في الانتخابات التمهيدية السابقة. إلا أن الأموال التي ضُخت في السباق لم تكن كافية لمنع وهاب من تحقيق الفوز.
وأثار انتصارها تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً بين مستخدمين عرب، ركز كثير منهم على قصتها الشخصية، بدءاً من فقدان والديها ودخولها نظام الرعاية البديلة، مروراً بصعودها السياسي في هايوارد ثم في مجلس شيوخ كاليفورنيا، وصولاً إلى انتخابها للكونغرس.
كما ركز جانب كبير من التفاعل على مواقفها من الحرب في غزة وعلى حجم الأموال التي أُنفقت لدعم منافستها. واعتبر بعض المعلقين أن النتيجة تمثل ضربة قوية لنفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، مشيرين إلى أن ملايين الدولارات التي أُنفقت خلال الحملة لم تكن كافية لقلب النتيجة لصالح هيرنانديز.
وفي المقابل، رأى آخرون أن أهمية فوز وهاب لا تقتصر على موقفها السياسي من إسرائيل والحرب في غزة، بل تمتد إلى مسارها الشخصي والسياسي، باعتبارها امرأة أمريكية من أصل أفغاني بدأت حياتها في نظام الرعاية البديلة ثم وصلت إلى أعلى مستويات العمل السياسي في الولايات المتحدة.
ورغم الاحتفاء بفوزها التاريخي، فإن المعركة الانتخابية لم تنته بعد. ففوز وهاب الحالي يضمن لها المقعد حتى يناير/كانون الثاني المقبل فقط، بينما ستكون على موعد مع مواجهة جديدة مع هيرنانديز في نوفمبر/تشرين الثاني، عندما يتنافس الطرفان على المقعد نفسه للفوز بولاية كاملة في مجلس النواب الأمريكي.
قد يهمك أيضـــــــا :
الكونغرس الأميركي يكشف عن شرط لتدخل الولايات المتحدة عسكريا في أوكرانيا
أعضاء الكونغرس الأمريكي يبدأون عطلة مدتها أسبوعان بدون اتفاق بشأن أوكرانيا
أرسل تعليقك