أميركا وأحجام ما بعد الزلزال

أميركا وأحجام ما بعد الزلزال

أميركا وأحجام ما بعد الزلزال

 صوت الإمارات -

أميركا وأحجام ما بعد الزلزال

بقلم : غسان شربل

هذه أميركا. الاقتصاد الأوَّلُ في العالم. سيدة البحار والأجواء معاً. منجم الجامعات العريقة والمخترعين والمبتكرين ورواد التكنولوجيا والثورة الرقمية. قادرةٌ على إصابة أي هدف في القرية الكونية. وقادرة على الاستماع إلى ما تهمس به في منزلك أو المقهى. يطالبها العالم بأن تتكيَّف معه فترد بمطالبته بأن يتكيَّف معها. وحين تنتخب رئيساً تنتخبه لنفسها وللعالم معاً، خصوصاً إذا كان اسمُه دونالد ترمب. على الرئيس الصيني أن يُبقِيَ عينه على صندوق المفاجآت في البيت الأبيض. وعلى سيّد الكرملين أن ينتظرَ موافقتَها لإنهاء الحرب الروسية في أوكرانيا. وعلى قادة «أوروبا الهرمة» أن يصلوا كي يرأفَ رئيسُها بالعلاقة مع حلف «الناتو» والاتحاد الأوروبي. وما يصدق هناك يصدق في الشرق الأوسط أيضاً.

هذه أميركا. ما أقسَى أن تكون عدوَّها! مبارزتها مكلفة. قتلت الاتحاد السوفياتي من دون إطلاق رصاصة. تحرَّش بها معمر القذافي فأرعبته بالوصول إلى غرفة نومه. تحدَّاها صدام حسين فاقتلعت نظامَه والتفَّ الحبلُ حول عنقه. تهضمُ الخسارات والانكسارات ثم تعود متكئةً على اقتصادها وأقوى آلة حربية في التاريخ. وما أصعبَ أن تكون صديقَها! وسادتها شائكة ومزاجية. وفي جميع الأحوال لا بدَّ منها. يصعب أن تغسلَ يديك منها. تجاهلها يدفعك إلى الهامش. كأنَّها دواء مرٌّ لا بدَّ من تناوله حتى لو أصابك بأعراض جانبية. ما أصعبَ الرقص مع سيد البيت الأبيض! ما أصعبَ الرقص مع ترمب!

هذه أميركا. وكانَ لا بدَّ منها. لوقفِ مذبحة غزةَ والإفراج عن الرهائنِ والأسرى. ولوقفِ الحرب الإسرائيلية على لبنانَ ومنعِ تحوّله غزةَ أخرى. ومنذ عقود طويلة يعرف الشرق الأوسط القصة. إنَّها طرفٌ ووسيط. تلجم الحروبَ لكن لا بدَّ من ثمن، خصوصاً في ضوء العلاقة الحميمة بين أميركا وإسرائيلَ، وبين ترمب ونتنياهو.

في بيروتَ لا يحتاج الزائر إلى من يذكّره بحجم الزلزال الذي ضربَ المنطقة. وقف النار الذي هندسَه المبعوث الأميركي السابق آموس هوكستين لا يمنع المسيَّرات الإسرائيلية من الإقامة في أجواء بيروتَ والمناطق ومعاقبة أي تحركٍ تعدّه معادياً. لا يمنعها أيضاً من استكمال إبادةِ بيوت القرى اللبنانية المتاخمة لحدودها. أنينُ المسيَّرات الإسرائيلية يعيد التذكير بانكسار التوازنِ الذي كانَ قائماً قبل الحرب. لم يعُد «حزبُ الله» قادراً على خوض حرب جديدة مع إسرائيل. خسر آلافَ المقاتلين. وخسرَ زعيمَه الأبرزَ حسن نصر الله؛ وهي خسارةٌ يصعب عليه تعويضها. وخسر العمقَ السوريَّ الذي كان شريانَ تسليحِه الإيراني وتمويله. ويعرف الحزبُ أيضاً أنَّ أكثرية اللبنانيين عارضت «جبهة الإسناد» التي أطلقها وتطالب حالياً وبوضوحٍ بحصر السّلاحِ بيد الدولة.

عبَّرت المداولاتُ التي سبقت تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة نواف سلام عن أزمةِ الأحجام بعد الزلزال. في هذه الأجواء خرجت نائبةُ المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط مورغان أورتاغوس من لقائها مع الرئيس جوزيف عون لتلقِيَ قنابلَها. طالبت السلطاتُ اللبنانية الجديدة بترجمةٍ حرفية لموازين القوى بعد الزلزال، متجاهلةً صعوبات التركيبة اللبنانية وحساسياتها. من حسنِ الحظ أنَّ عون وسلام نجحا في بلورة حكومة تحظَى بالدعم الإقليمي والدولي من دون إشعال معركة الأحجام الجديدة في الشارع. بدا واضحاً أنَّ الحسناء الأميركية تعتمد قاموسَ ترمب الذي سمح له باقتراح نقلِ أهالي غزةَ تمهيداً لتحويلها «ريفييرا رائعة».

لا يمكن إنكارُ حجم الزلزال الهائل الذي ضرب المنطقةَ والذي يدفع نتنياهو إلى المباهاة بأنَّ حروبه غيَّرت الشرق الأوسط. ليس بسيطاً أن يرهن العالم أي مساعدة للبنان بتطبيق كامل للقرار 1701 ومندرجاته، وهو يعني خروجَ «حزبِ الله» من الشق العسكري في المواجهة مع إسرائيل. وهذا يعني ليس فقط تغييراً في حجم الحزب؛ بل قبل ذلك في حجمِ إيرانَ الإقليمي.

أحجام ما بعد الزلزالِ ملفٌ كبير سيشغل المنطقة في المرحلة المقبلة. لم تُصَبْ إيرانُ بخسارة كاملة في لبنان لكنَّها أصيبت بها في سوريا. يتصرَّف الرئيس السوري أحمد الشرع بمسؤوليةٍ كاملة استوقفتِ المبعوثين الذين التقوه. يتصرَّف آخذاً في الاعتبار الحقائقَ الإقليمية والدولية، مدركاً أهمية عودة سوريا إلى عائلتها العربية وبلغةٍ تطمئن الداخل والخارج. وهذا الأسلوب دعا الدولَ الغربية إلى إعادة فتح النوافذِ مع دمشق تمهيداً لمساعدة سوريا في إعادة الإعمار والتحول واحدة من ركائز الاستقرار.

يخاطب ترمبُ إيرانَ آخذاً في الاعتبار خسارتَها في الزلزال الأخير. يعرض عليها «عدم قصفها»؛ أي امتناع إسرائيل عن تسديد ضربة إلى منشآتها النووية إذا وافقت على اتفاقٍ جديد يشمل أيضاً ترسانتَها الصاروخية وأذرعها الإقليمية. ليس بسيطاً على المرشد الإيراني القبول بالحجم الجديد لبلاده في وقتٍ انتزعت فيه تركيا عبر التغييرِ السوري حجماً جديداً في الإقليم.

مشكلة الأحجامِ الجديدة في الإقليم هي غيابُ المقاربة الأميركية الواقعية للموضوع الفلسطيني. يعرف أهلُ المنطقة أنَّ الفلسطينيين لا يبحثون عن أرض للإقامة فيها. إنَّهم يبحثون عن أرضهم ولا يرضون بديلاً منها. والحلُّ الوحيد الممكن لهذا النزاع المدمّر والمديد هو حلُّ الدولتين الذي تتمسَّك به الدول العربية والإسلامية والمجموعة الأوروبية. لا بدَّ من حصول الفلسطينيين على حقوقهم ومعرفة حدود إسرائيل وحجمها أيضاً. وحده حلُّ الدولتين يمكن أن ينزعَ فتيلَ التفجير المزمن في المنطقة ويفتحَ البابَ لقيام دول طبيعية تنهمك حكوماتها باللحاق بركب العصر وصيانة اقتصادها واستقرارها بدلَ الانخراطِ المتوتر في معركة الأحجام.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أميركا وأحجام ما بعد الزلزال أميركا وأحجام ما بعد الزلزال



GMT 21:14 2026 الإثنين ,04 أيار / مايو

الأدلة العلمية مزعجة لمدمن الخرافة

GMT 03:00 2026 الأحد ,03 أيار / مايو

القواعد الأجنبية

GMT 02:58 2026 الأحد ,03 أيار / مايو

الحمد لله قدّر ولَطَف

GMT 02:57 2026 الأحد ,03 أيار / مايو

الاستخدام السياسى للكرة

GMT 02:55 2026 الأحد ,03 أيار / مايو

الكلمة ليست «للميدان» فقط

GMT 02:53 2026 الأحد ,03 أيار / مايو

حروبٌ بلا سلاح

GMT 02:51 2026 الأحد ,03 أيار / مايو

مَن هو الخليجي

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس - صوت الإمارات
تحرص الفنانة درة على تقديم إطلالات يومية متجددة تعكس أسلوبًا عمليًا وأنيقًا في آنٍ واحد، خاصة خلال موسم ربيع 2026، حيث ظهرت في مجموعة من الإطلالات التي تناسب النزهات الصباحية والتنقلات اليومية، مع الحفاظ على لمسة أنثوية راقية وتفاصيل عصرية تمنحها حضورًا لافتًا دون مبالغة. في أحدث ظهور لها، اختارت درة إطلالة بسيطة مستوحاة من أسلوب الشارع، تمثلت في بنطال قصير وضيق باللون الأسود مع توب بنفس اللون، ونسقت فوقهما معطفًا خفيفًا باللون الكريمي بقصة مستقيمة وياقة عريضة، ما أضفى توازنًا أنيقًا على الإطلالة. وأكملت مظهرها بحذاء مدبب بكعب عالٍ، وسكارف منقوش حول العنق، مع حقيبة كتف داكنة ونظارة شمسية كبيرة، واعتمدت تسريحة شعر ويفي منسدلة. وفي إطلالاتها الصباحية الأخرى، برزت صيحة بنطال الدنيم كخيار أساسي، حيث اعتمدت تصاميم متنوعة تجمع ...المزيد

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 19:24 2014 السبت ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

سقوط أمطار خفيفة على المدينة المنورة

GMT 15:15 2017 الجمعة ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

ممارسة التمارين الهوائية تُقلِّل مِن الإصابة بالسرطان

GMT 03:02 2022 الجمعة ,21 تشرين الأول / أكتوبر

الإمارات تؤكد أن قرار "أوبك بلس" جماعي بُني على التصويت

GMT 03:13 2020 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

مجموعة عطور "تروساردي"

GMT 02:43 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الجماهير حسام البدري وقع المنتخب والبركة في الأولمبى

GMT 13:34 2019 الخميس ,17 تشرين الأول / أكتوبر

بلدية الشارقة تدشن خدمة ذكية لسحب مياه الصرف الصحي

GMT 06:54 2019 السبت ,12 كانون الثاني / يناير

الفيصلي الأردني يقترب من التعاقد مع لاعب المصري أونش

GMT 19:09 2018 الإثنين ,31 كانون الأول / ديسمبر

نصائح قبل السفر إلى أوكرانيا لقضاء رحلة سياحية مُمتعة

GMT 00:14 2018 الأربعاء ,26 كانون الأول / ديسمبر

استبعاد محمود خميس قبل انطلاق كأس أسيا

GMT 20:03 2018 الثلاثاء ,04 كانون الأول / ديسمبر

إسماعيل مطر يغيب عن فريق"الوحدة" لمدة 4 أسابيع
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates