العالم وإيران وبينهما نحن

العالم وإيران وبينهما نحن

العالم وإيران وبينهما نحن

 صوت الإمارات -

العالم وإيران وبينهما نحن

بقلم :حازم صاغية

 

قبل أيّام، بمناسبة الذكرى العشرين لاغتيال رئيس الحكومة اللبنانيّ رفيق الحريري، كرّر كثيرون من مُتذكّري الحدث أنّهم ظلّوا يستبعدون احتمال اغتياله إلى أن حصل. فهم رأوا أنّ علاقات الحريري الواسعة، العربيّة والدوليّة، وصداقاته الكثيرة، تحميه وتمنع قتله، وأنّ القاتلين المحتملين سوف يحسبون، من دون شكّ، «حساب العالم». لكنّ ما تبيّن، يوم 14 شباط (فبراير) 2005، أنّ القَتَلة، الذين لم يعبأوا بتلك العلاقات، نفّذوا فعلتهم.

وهؤلاء الذين آثروا أن لا يحسبوا «حساب العالم» خاطبوا ميلاً عميقاً في نظام قيمنا السائد، وفي فكر سياسيّ لا يزال قويّاً في منطقتنا، مفاده بالضبط أنّ «حساب العالم» ينبغي أن لا يُحسب. وبخليط من وعي فوضويّ (أناركيّ) ووعي ريفيّ، أبرشيّ وارتجاليّ، غالباً ما نُظر إلى «عدم الحساب» هذا بوصفه شجاعة ومصدر فخر لصاحبه، لا سيّما وأنّ «العالم» كائن آخر مُعادٍ لا يجوز أن يُحسب له حساب. ووفق تأويل شِعريّ للوطنيّة، وتحت وطأة كتابة ملتوية للتاريخ، أُدرجت أفعال القطع مع العالم في خانات التحرّر والاستقلال وكسر التبعيّة وتحدّي الإمبرياليّة...

وبدورهم نجح قاتلو الحريري في جعل اغتياله بداية لمرحلة معتمة عُزل فيها لبنان عن عالم قُرّر أن لا يُحسب له حساب، مرحلةٍ اقترنت بالفقر والتراجع الذي طال الأصعدة جميعاً. وما لبث بشّار الأسد، وهو أحد الضالعين في الجريمة إيّاها، أن غطس وغطّس بلده في عزلة أمرّ وأقسى.

لكنْ ممّا يُلاحظ الآن، بعد عشرين عاماً على ذاك الحدث، أنّنا باشرنا مجدّداً نأخذ العالم في حسابنا، لا يشذّ عن ذلك سوى بضعة أعمال حمقاء ومشبوهة ترتكبها بقايا «حزب الله» – الضالع، هو الآخر، في الجريمة إيّاها.

فالهمّ الطاغي في لبنان اليوم هو تحديداً كسب ثقة البلدان العربيّة والغربيّة القادرة وحدها على إقالة عثراته الاقتصاديّة ومساعدته على إنفاذ القرار 1701 وإخراج الإسرائيليّين من أرضه. وفي سوريّا، لا يكتم بعض قادة الوضع الجديد وبعض نقّاده على السواء تعويلهم على الخارج. فهو وحده يزيل العقوبات عن السوريّين ويضمن تدفّق الاستثمار إلى البلد المنكوب، كما يدفع النظام القائم إلى التقيّد بمعايير أكثر مقبوليّة واستواء وعصريّة.

يضاعف من إلحاح التعويل على الخارج وضرورة أخذ العالم في الحساب أمران، أوّلهما، أنّ «العالم» (كائنةً ما كانت القوى التي تمثّلَ بها) هو الذي أحدث التغيير الكبير الذي جسّده سقوط الأسد في سوريّا وضمور «حزب الله» في لبنان. والثاني، أنّ تَركنا وجهاً لوجه أمام دواخلنا الوطنيّة يعادل تَركنا تحت وطأة أوضاعنا الأهليّة القلقة والمُقلقة، من دون وجود قوّة قادرة تستطيع أن تكون مصدر تحكيم بيننا، ووسط ضعف في الإجماعات التي لا تُبنى من دونها مجتمعات ودول.

وحين نقول «العالم» نعني أشياء كثيرة، لكنّه في مردوده السياسيّ على بلد ما يعني من يملك شيئاً مفيداً للبلد، تُلمس فائدته وتُقاس تجريبيّاً، ما ينعكس على حرّيّات السكّان ومستوى معيشتهم وتعليمهم وصحّتهم... وإذا كانت الحكومات المعنيّة منتخبةً، زادت أهميّة الاعتبارات المذكورة لأنّ الناخبين سوف يحاسبونها تبعاً للإنجازات التي قدّمتها أو التي لم تقدّمها. لكنّ الشيء المؤكّد أنّ الاقتصار على تزويدنا بالسلاح (لأنّ صاحبه لا يملك سلعة أخرى) يُخرج هذا الطرف من مصطلح «العالم» في نظر الدولة طالبة العون.

وبالمعنى هذا فإنّ إيران اختارت بمحض إرادتها أن تكون طرفاً مضادّاً للعالم القادر على نفع سواه. وإذا كانت تشاطرها خيارَها دول قليلة ككوريا الشماليّة، فالواضح أنّ ذراع الأخيرة قصيرة نسبيّاً بالقياس إلى الدولة الخمينيّة.

والبائس بعدما صارت إيران مركز مناهَضة العالم، أنّ ثمّة من لا يزال يطالبنا باستبدال انفتاحنا المستجدّ على «العالم» بانفتاحنا الحصريّ عليها. وهذا إنّما يساوي إرجاعنا إلى أيّام العزلة «المجيدة» وإلى بيت الطاعة المقاوِم. لكنْ، وكما اكتشفنا حينذاك، سوف نعاود اكتشاف استحالة الجمع بين الأمرين. ولأنّنا سبق أن جرّبنا ذلك، وكثيراً ما جرّبناه، لن تستطيع تلطيفَ هذه الصورة أيّةُ «شنفخة» متورّمة في الوطنيّة والمقاومة والعداء لإسرائيل. فسياسة عدم الاكتراث بالعالم يمكن أن نرى نتائجها الصريحة في أحوال إيران نفسها، ولكنْ أيضاً في زمننا المعتم المنقضي حيث لم يعنِ عدم الاكتراث إلاّ ممارسة معمّمة للقتل وتحكّم الميليشيا واقتصاد التهريب، ممارسةً لم تُكتب نهايتها إلاّ مع المصير الذي لاقاه بشّار الأسد وباقي رموز المحور.

لهذا، وعلى الضدّ من ظنّ بعضهم أنّ الصلة بالعالم تحمي صاحبها، تختلف المعادلة في ظلّ أنظمة العزلة الموصوفة بالوطنيّة والمقاومة الفائضتين، فلا تفعل الصلات والصداقات سوى قتل صاحبها كما قُتل الحريري. وهذا ما يحضّ على ترميم مفاهيم كثيرة متداولة في ربوعنا، في عدادها كيفيّة فهمنا للوطنيّة وللمقاومة...

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العالم وإيران وبينهما نحن العالم وإيران وبينهما نحن



GMT 05:38 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

حمى «السكرول»

GMT 05:34 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

ماجد الكدواني نجومية على نار هادئة!

GMT 05:33 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

الصحافة الشيرازي!

GMT 05:27 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

إيران... سيناريوهات حروب مُعَجَّلة أو مُؤَجَّلة

GMT 05:25 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

الملف اليمني... تطورات مثيرة

GMT 04:45 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

نظرة في أسواق النفط وأسعارها

GMT 04:43 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

لبنان وتحدي إعادة تأسيس الدولة

GMT 04:36 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

سردية الاستقرار في مواجهة خرائط الانفصال

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض - صوت الإمارات
سجّلت النجمات السوريات حضوراً لافتاً في حفل Joy Awards 2026، حيث تحولت السجادة البنفسجية إلى مساحة استعراض للأناقة الراقية والذوق الرفيع، في مشاركة حملت رسائل فنية وجمالية عكست مكانة الدراما السورية عربياً. وتنوّعت الإطلالات بين التصاميم العالمية الفاخرة والابتكارات الجريئة، في مزيج جمع بين الكلاسيكية والعصرية، وبين الفخامة والأنوثة. كاريس بشار خطفت الأنظار بإطلالة مخملية باللون الأخضر الزمردي، جاءت بقصة حورية أبرزت رشاقتها، وتزينت بتفاصيل جانبية دقيقة منحت الفستان طابعاً ملكياً. واكتملت إطلالتها بمجوهرات فاخرة ولمسات جمالية اعتمدت على مكياج سموكي وتسريحة شعر كلاسيكية مرفوعة، لتحتفل بفوزها بجائزة أفضل ممثلة عربية بحضور واثق وأنيق. بدورها، أطلت نور علي بفستان كلوش داكن بتصميم أنثوي مستوحى من فساتين الأميرات، تميز بقصة مكش...المزيد

GMT 01:42 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

العراق يؤكد دعمه لاستقرار المنطقة وحصر السلاح بيد الدولة
 صوت الإمارات - العراق يؤكد دعمه لاستقرار المنطقة وحصر السلاح بيد الدولة

GMT 00:43 2018 الأربعاء ,24 كانون الثاني / يناير

نشر صور مخلة للآداب للممثلة السورية لونا الحسن

GMT 10:15 2013 الجمعة ,09 آب / أغسطس

طرق لتشجيع الطفل على القراءة

GMT 05:40 2013 الجمعة ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

إكتشاف أطول سمكة عظمية يصل طولها إلى 11 مترًا

GMT 22:14 2018 الأربعاء ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

أياكس أمستردام الهولندي يعلن ثمن الثنائي المطلوب في برشلونة

GMT 00:34 2013 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

ترجمة كتاب "سنة الأحلام الخطيرة" عن ثورات العالم

GMT 05:19 2018 الخميس ,18 كانون الثاني / يناير

إغلاق جزئي للحارتين البطيئتين على جسر 411 في أبو ظبي

GMT 18:57 2018 الإثنين ,01 كانون الثاني / يناير

إليكِ مجموعة من أجمل البروشات الفاخرة في الأعياد

GMT 16:54 2013 الثلاثاء ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الهند تبدأ العد التنازلى لأولى رحلاتها إلى المريخ

GMT 21:29 2013 الأحد ,01 كانون الأول / ديسمبر

زلزال قوته 6.4 درجات يضرب سواحل جزر تانيمبار الأندونيسية

GMT 11:09 2017 الأربعاء ,18 تشرين الأول / أكتوبر

" الجنينة " من أرقى المطاعم الفاخرة في الجزائر

GMT 00:55 2017 الإثنين ,30 تشرين الأول / أكتوبر

لوسي ساوثول تعلن عن التصميمات الداخلية لديكور السبعينات

GMT 05:32 2017 الثلاثاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

عادات تؤدي إلى الطلاق و الخبراء يحذرونك منها
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates