ضيق المنازل اتساع الأرصفة

ضيق المنازل.. اتساع الأرصفة

ضيق المنازل.. اتساع الأرصفة

 صوت الإمارات -

ضيق المنازل اتساع الأرصفة

بقلم : ناصر الظاهري

لمَ تضيق المنازل ببعض الأشخاص؟ ولمَ لا يحبون غير عيش الشوارع، وبراحة الأرصفة؟ تجد الكثير منهم، وبناء على فلسفة شخصية، وصراع مع النفس يقرر أن يهرب من الجدران والأسقف والباب المغلق والنافذة التي تجلب الأذى إلى أمكنة، غطاؤها السماء، ونظرها الأفق البعيد، ولا ثمة جدران يمكن أن تسجنك في مكان يشعرك أنه مثل علبة كبريت، ولا نوافذ يمكن أن تمنع عنك الريح، في أوروبا هذه الظاهرة بدت جلية ومتراكمة بعد حربين عالميتين، ودمار شامل للمنجز الحضاري، ودعوات قومية وعرقية جلبت التطهير وإقصاء الآخر، فنشأت بعدها ظاهرة التمرد على المجتمعات الرأسمالية والإقطاع والكنيسة والقيود الاجتماعية المتخلفة، والنظم السياسية القديمة، فكانت ظاهرة «الهيبز» و«البوهيمية» و«الراديكالية»، و«الدعوات الأممية» التي تشكلت وشكلت مدارس فنية وأدبية وسياسية، وحتى اقتصادية قادت المجتمعات إلى التنوير والإشعاع والتغيير، والثورة الصناعية، والولوج للمستقبل، وتمكين الحرية الفردية المسؤولة.
في وطننا العربي كان الخروج من المنازل إلى حياة الأرصفة مختلفاً جذرياً عن أوروبا وأميركا، ونكاد نتشابه مع مجتمعات دول أميركا اللاتينية، والأسباب تكاد تنحصر أن لا خطط وطنية لبناء بيت جاهز ومتوفر يليق بحياة مواطن كريم، وبالمقابل أجبر المواطن على حياة التشرد أو الانخراط في الفساد السياسي والوظيفي وتشويه المجتمع من الداخل، وإذا ما كان هذا المواطن العربي واعياً اتخذ قرار الفرار إلى الشارع كنوع من الاحتجاج المرّ اتخذه كردة فعل على تلك العيشة التي فرضتها أنظمة أتت على ظهور دبابات واحتلال مبنى الإذاعة، وبث البيان رقم واحد، والذي كان هدفه في البداية دحر الاستعمار، ومحاربة القوى الغاشمة، وتحرير كل شبر من أرض فلسطين، ومن أجل كل ذلك على المواطن العربي أن يعيش خانعاً، مضحياً في سبيل تلك القيم السامية والأهداف الغالية، فجهزت له الأنظمة العسكرتارية عيشاً من الضنك، ولَم تطور وطنه، ولَم تبن مجتمعه، ولَم تساهم في تعليمه وتقدمه، لأنها لم تكن تريد أن يفهم المواطن العربي، وبالتالي يتحرر ويتطور، فكانت سجوناً في الداخل، ومنافي في الخارج، وقوى معطلة، ومشاريع وهمية لمزيد من السرقة، ونهب مقدرات الأوطان، والنتيجة حياة لا تليق بمواطن ينشد الجمال لبلده الصغير، ووطنه الكبير.
سكان الأرصفة في الشوارع العربية خلقت إبداعاً فنياً وأدبياً وفكرياً فضاقت الأنظمة بهم، وبما تصنع الأرصفة وشوارع المدن التي يغذيها التاريخ وعراقة الأمكنة والنَّاس الذين قدّوا من صبر وبأس من تركة الأولين، فسحبوهم إذا لم نقل «جرجروهم» من رحابة الأرصفة إلى ضيق السجون، إلى البيوت المراقبة والملاحقة كثكنة عسكرية لا تنام.
اليوم حين تنظر لمشردي الأرصفة، وصعاليك الشوارع، ومثقفي فضاءات الحياة الرحبة تشعر أن خلف كل واحد منهم قصة وطن، وحياة موقف، وشرف إنسان، منهم المجنون، ومنهم الناسك، ومنهم الصوفي، ومنهم الشاعر الصادق المعدم، ومنهم الراوي والحكّاء وسارد التاريخ الحقيقي، والموازي لتاريخ المنتصر، اليوم.. لا لصوص يفترشون الأرصفة، ولا حرامية يسكنون الشوارع، فهؤلاء يحبون المنازل الفارغة، وأقفال الأبواب المغلقة، والنوافذ المواربة!
 المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع
نقلا عن الاتحاد

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ضيق المنازل اتساع الأرصفة ضيق المنازل اتساع الأرصفة



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس - صوت الإمارات
تحرص الفنانة درة على تقديم إطلالات يومية متجددة تعكس أسلوبًا عمليًا وأنيقًا في آنٍ واحد، خاصة خلال موسم ربيع 2026، حيث ظهرت في مجموعة من الإطلالات التي تناسب النزهات الصباحية والتنقلات اليومية، مع الحفاظ على لمسة أنثوية راقية وتفاصيل عصرية تمنحها حضورًا لافتًا دون مبالغة. في أحدث ظهور لها، اختارت درة إطلالة بسيطة مستوحاة من أسلوب الشارع، تمثلت في بنطال قصير وضيق باللون الأسود مع توب بنفس اللون، ونسقت فوقهما معطفًا خفيفًا باللون الكريمي بقصة مستقيمة وياقة عريضة، ما أضفى توازنًا أنيقًا على الإطلالة. وأكملت مظهرها بحذاء مدبب بكعب عالٍ، وسكارف منقوش حول العنق، مع حقيبة كتف داكنة ونظارة شمسية كبيرة، واعتمدت تسريحة شعر ويفي منسدلة. وفي إطلالاتها الصباحية الأخرى، برزت صيحة بنطال الدنيم كخيار أساسي، حيث اعتمدت تصاميم متنوعة تجمع ...المزيد

GMT 08:38 2020 الأربعاء ,01 تموز / يوليو

يبدأ الشهر مع تلقيك خبراً جيداً يفرحك كثيراً

GMT 19:56 2018 الجمعة ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

تعرفي على قواعد "الاتيكيت" المُتعلِّقة بمقابلة العمل

GMT 18:05 2016 الأربعاء ,03 آب / أغسطس

"أبو ظبي للتعليم" يوفر نموذجين للزي المدرسي

GMT 19:00 2018 الأربعاء ,05 كانون الأول / ديسمبر

إشادة بخطوات تمكين المرأة اقتصادياً

GMT 01:46 2018 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

بيان لمجلس النواب المصري

GMT 07:57 2018 الأربعاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

البنوك الوطنية تخفّض مخصصات القروض المتعثّرة 21 %

GMT 17:05 2018 الجمعة ,28 أيلول / سبتمبر

استمرار غلق خليج مايا أمام السائحين في تايلاند

GMT 22:54 2013 الإثنين ,21 كانون الثاني / يناير

توقيع بروتوكولين بين "الطاقة النووية" و"التعدين" طاقة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates