عن الفلاسفة والنقاش الدنيوي

عن الفلاسفة والنقاش الدنيوي

عن الفلاسفة والنقاش الدنيوي

 صوت الإمارات -

عن الفلاسفة والنقاش الدنيوي

فهد سليمان الشقيران
بقلم - فهد سليمان الشقيران

ربما تختلف تصاريف حياة الفلاسفة ودنيويتهم وأفكارهم عن بعضهم البعض؛ ولكن ما يجمعهم مفهوم «الأثر» الذي يخلّدهم؛ هذا المعنى الذي يغذّي من بعدهم بالإلهام ويعطيهم الحيويّة الفكرية التي تمنح قارئيهم لا أفكار الاعتناق المدْرسي وإنما القوّة التي يتساءلون بها ويتجاوزن عبر السؤال كل نظريةٍ مرّت عليهم مهما كان طارحها.

هذا الذي كرّسه الفلاسفة الكبار منذ العصر اليوناني إلى اليوم؛ ومن آخر من رحل عن دنيانا الأستاذ مراد وهبة، وهو الموسوعي والشارح البارع لعديدٍ من النظريات والممسك بتلابيب أسس القول الفلسفي قديمه وحديثه.

قبل يومين كتب الأستاذ سمير عطا الله مقالةًَ مهمةً بعنوان: «قرنٌ من الفلسفة» يقول: «ودّعتْ مصر أشهرَ مفكريها الأحياء الدكتور مراد وهبة عن قرنٍ كاملٍ عاشه في الفلسفة والأدب وحياة الفكر والحبر. اجتمع في وداعه قلةٌ من الرفاق والزملاء والمعجبين وأساتذة الفلسفة. فالرجل كان منغلقاً على عالمه لا يخرج منه إلا لماماً لحضور مؤتمرٍ هنا أو إلقاء محاضرةٍ هناك. وكما هو متوقعٌ حفل الغياب بالرثائيات التي كتبها الرفاق والزملاء وأهل الفكر وكانت جميعها من قبيل الثناء والتعبير عن الاحترام لعطائه وأدائه معاً».

ثم يضيف: «يتذكر المرء الفيلسوف الشهير عبد الرحمن بدوي الذي اهتم المعنيون بأحواله الشخصية أكثر مما اهتموا بأعماله الفكرية، على كثرتها وجدتها».

على النقيض من حالة بدوي التي سأناقشها، ثمة مثالٌ فرنسيّ أساسي فحين ألّف جيل دلوز مع فليكس غيتاري كتاب «ما هي الفلسفة» كان الكتاب مشتركاً؛ وما كان الكتاب على طريقة التأليف المعتادة مقسوماً إلى قسمين مثلاً بل كان كتاباً أثّر على جيلٍ فلسفي بأكمله.

إن نماذج التأليف هذه تدل على وجود ما يمكن تسميته بـ«النسك المعرفي» كان غيتاري يعرف أن جيل دلوز أشهر صيتاً، وأن اسمه سيكون ثانياً، لكنها الشراكة المعرفية الفذّة التي تعالت بممارسيها عن الحماقات أنجحت ذلك المشروع.

قوة هؤلاء الفلاسفة الأفذاذ الذين كلما قرأ الإنسان سيرتهم يشعر بمسافةٍ أدبيةٍ هائلةٍ تجاوزوا بها الترهات تكمن في تغليب الأدبيات المعرفية على النزعات الذاتية. هذه النماذج لا تعني أن الفلاسفة وأهل الثقافة أبرياء من التنافس. فهناك موسوعات فلسفية أشعلت خصومات بين مؤلفيها، وهناك تآليف مشتركة فضّت، وهناك حروب بينهم مثل التي جرت بين هيغل وشبنهور.

لو قرأنا بعض السجالات بين المثقفين العرب لأدركنا صعوبة إيجاد صيغة التقاء مشتركة، فضلاً عن شيوع الاشتراك في التآليف؛ مثلاً فؤاد زكريا يأخذ على عبد الرحمن بدوي أنه يغلق الباب بقوة حينما ينزل من السيارة، وهذا بدوي يصف العقاد بـ«(....) الذي لا يقرأ له أحد»، ولا يشتري كتبه أحد كما في مذكرات بدوي «سيرة حياتي» وأركون - حسب ما يروي سعيد اللاوندي - يقول: «لا أخفيك أن بدوي كريه». والجابري وصف طرابيشي بـ«... الذي لا يحق له نقد التراث الإسلامي»، كما يروي الراحل محمد جابر الأنصاري.

هذه الصورة بالطبع ليست صورة كل الثقافة العربية لكنها وجه من آثار التعالق بين المثقف وبيئته، وتنبئ العبارات عن استحالة شيوع التعاون المعرفي بمعناه الكلي. الأكيد أننا بحاجة إلى إعادة صيغ التداول الثقافي والمعرفي الذي يعشش ضمن وسطٍ محطّم.

بالعودة إلى مقالة الأستاذ سمير عطا الله الذي قال فيها: «أما الأكاديميون أنفسهم فلم يعد بينهم الكثير من أولئك الأعلام. كذلك ظلّ محدوداً النشاط الفلسفي خارج نطاق الأكاديمية. وتنطبق حالة الجفاف على الشعر كما تنطبق على الفلسفة. ويبدو أحياناً وكأننا أصبحنا من دون المغردين الكبار، وهذا محمود درويش بلا بديل، وغاب نزار قباني بلا وريث، ولم يعد كل عقلٍ يبدأ ومعه تلك الأسماء اللامعة التي تحملها طوعاً وعفواً أنهار النيل والفرات وبردى. ناهيك طبعاً عن أكثر أسماء الأنهر شعريةً النهر المعروف بالرقراق في المغرب».

هذا صحيح؛ وبتعليقٍ مبسط على هذا الموضوع، فإنني أذكر بقولٍ مهم لجيل دلوز حين كتب: «نحن نقترب من الوقت الذي سوف يكون من المستحيل علينا أن نكتب كتاباً فلسفياً بالطريقة نفسها التي كتبت بها الكتب الفلسفية السابقة».

بل رأى أن وظيفة الفلسفة ومبادئها الإغريقية يجب أن تفحص وتفتت وتضبط بتهمة وضع «ترسيمة» للمناهج والخطوط التي تسير بها.

الآن ثمة من ينعى «الرواية» ويترحّم عليها، ويعتبرها بلا وظيفة وتسبيبُ ذلك الرأي وتعليله أن العالم بات مشدوهاً بالعالم السينمائي السحري؛ وما عاد بحاجة إلى الاطلاع على روايةٍ من ألف صفحةٍ بغية الاستناد إلى التصوّر والفهم لحكاية كما كان عليه الحال في السابق.

الخلاصة؛ أن تبويب الفلسفة يأتي ضمن الحيويّة الدنيويّة وتطوّر التحديات فهي تكبر مثل الناس، ولا يمكن أن يكون الفيلسوف إلا ضمن هذا المعنى، وتقديري أن مذكرات الفلاسفة ثبتت أن معظمهم انشغلوا بسفاسف الأمور؛ هل يعقل أن فيلسوفاً مثل شبنهور يقيم دعوى على أمه بسبب مكينة خياطة؟! نعم هذا ما حدث.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن الفلاسفة والنقاش الدنيوي عن الفلاسفة والنقاش الدنيوي



GMT 01:24 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

أجمل هدف لم يأتِ فى الدورى!

GMT 01:22 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

مشهد رخيص من موسكو

GMT 01:20 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كروان السينما «المُلك لك لك لك»

GMT 01:17 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سنة أولى برلمان

GMT 01:15 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 19:05 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة
 صوت الإمارات - تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول

GMT 12:24 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

منصور بن زايد يبحث العلاقات مع كازاخستان

GMT 13:38 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محاكم دبي تعرض خدماتها الذكية في مؤتمر دولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates