تسييس الجوع والغذاء

تسييس الجوع والغذاء

تسييس الجوع والغذاء

 صوت الإمارات -

تسييس الجوع والغذاء

بقلم : عثمان ميرغني

 

ليس غريباً أن يعقد مجلس الأمن الدولي جلسات يُلقى فيها كثير من الخطب والبيانات، من دون أن تنتهي إلى أي إجراءات محددة، أو تصدر عنها قرارات أو إجراءات تنفيذية ملموسة. فتاريخ المجلس حافل بكثير من مثل هذه الجلسات التي تنعقد لإظهار مواقف، أو تسجيل نقاط لتحقيق مكاسب دبلوماسية إعلامية، أو كما يحدث أحياناً لمجرد رفع العتب وإعطاء الانطباع بعدم تجاهل قضية ما، لا سيما إذا كانت الدول الكبرى لا تعطيها في الواقع اهتماماً كافياً، لأنها منشغلة بقضايا أخرى تراها أهم في سلم أولوياتها. هذا لا يعني أنه في بعض هذه الجلسات لا تكون هناك أجندة غير مرئية، وأن بعض الأطراف تريد تسجيل مواقف تمهِّد بها الأرضية لخطوات أخرى لاحقة.

جلسة مجلس الأمن التي انعقدت يوم الاثنين الماضي، لمناقشة الوضع الإنساني في السودان، كانت مزيجاً من كل ما سبق. فقد أُلقيت فيها الخطب والبيانات، وسجلت مواقف، وانفضَّت من دون صدور أي قرارات أو إجراءات محددة. لكن بالنسبة إلى كثير من المتابعين فإن حساسية وأهمية الموضوع المعروض أمام الجلسة، وتركيز النقاش حول وجود أو عدم وجود مجاعة، والحديث عن استخدام الإغاثة الإنسانية سلاحَ حرب، كانت كلها مؤشرات إلى أن ما دار فيها ربما سعى بعض الأطراف إلى التمهيد به للاستخدام في خطوات أخرى لاحقة.

المراقب الفطن لا تفوت عليه أن الجلسة عُقدت بطلبٍ من بريطانيا وإلى جانبها غيانا وسلوفينيا، وبدعم من سيراليون والدنمارك. وكل هذه الدول (باستثناء الدنمارك التي بدأت عضويتها الدورية في مجلس الأمن مطلع هذا الشهر) إما كانت مشاركاً رئيسياً وإما داعماً لمشروع القرار الذي قدمته بريطانيا إلى مجلس الأمن أواخر العام الماضي، لحماية المدنيين في السودان وأحبطه الفيتو الروسي، وعدَّته الحكومة السودانية محاولةً جديدةً للتدخل بعدما فشلت محاولات سابقة لتمرير قرار بإرسال قوات أفريقية بقبعة دولية.

اليوم ربما يسعى بعض الأطراف لإعادة فتح باب التدخل من خلال الكلام عن مجاعة، واستغلال الأرقام التي توردها منظمات ووكالات دولية، وهو ما يفسر تصدي الحكومة السودانية لتقارير المجاعة، وسعيها لتفنيد ما ورد في أحدث تحليل لـ«التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي» عن وجود ظروف مجاعة في خمس مناطق في السودان، وتوقع تضرُّر مواقع إضافية بحلول منتصف العام الحالي. واستنكرت الحكومة السودانية ما عدّتها «محاولات استخدام ادعاءات غير دقيقة تتعلق بالأوضاع الإنسانية كأداة للتدخلات الأجنبية، والنيل من سيادة السودان».ليس هناك من جدال حول أن الحرب الراهنة سبَّبت معاناة غير مسبوقة للسودانيين، وهي معاناة متعددة الأوجه تبدأ من التهجير القسري، مروراً بالتدمير الواسع للممتلكات الخاصة والمنشآت العامة، وانتهاء بالضائقة المعيشية التي طالت الجميع بلا استثناء، مع انعدام الأمن الغذائي لعدد مقدَّر من الناس. لكن أي مراجعة للأحداث منذ اندلاع هذه الحرب، ستؤكد أن «قوات الدعم السريع»، إلى جانب تحملها مسؤولية القسط الوافر من التجاوزات والانتهاكات التي استهدفت المواطنين الأبرياء بشكل أساسي، فإنها أيضاً مسؤولة بشكل كبير عن التسبب في انعدام الأمن الغذائي لعدد كبير من الناس.

اتَّبعت «قوات الدعم السريع» سياسة الأرض المحروقة وتعمَّدت تدمير المنشآت العامة والخدمية والمستشفيات والمصانع ووسائل الإنتاج، ونهبت البنوك والأسواق وممتلكات المواطنين الذين بات كثير منهم لا يملك ما يقتات به، ويعتمد على المساعدات ونقاط التكافل الاجتماعي التي تقدم الطعام والمعروفة عند السودانيين باسم «التكايا».

تشريد الناس من بيوتهم ومناطقهم كان عاملاً أساسياً في تفاقم المعاناة وانعدام الأمن الغذائي، وقد عانى بسببه القطاع الزراعي في مناطق زراعية مهمة. فعندما دخلت «قوات الدعم السريع» إقليم الجزيرة في وسط البلاد، وهو من سلال غذاء السودان الكبرى، عطَّلت الزراعة وتسببت في تدمير البنية التحتية الزراعية ولم تَسلم حتى مراكز الأبحاث. كما نهبت ودمَّرت المحاصيل في مراكز الإنتاج وفي مخازن الغذاء، ونهبت الماشية، وحرمت بذلك المواطنين من سبل عيشهم الأساسية.

إضافةً إلى كل ذلك فإن القتال عطَّل وصول إمدادات الغذاء وطرق التجارة البينية، كما أدى أحياناً إلى تضرر قوافل الإغاثة واستهداف بعضها بالنهب أو بالقصف.

إدراكاً لهذه الحقائق، فإن البيان الذي أصدره وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، أول من أمس، بعد قرار الإدارة فرض عقوبات على قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) واتهام قواته بارتكاب جرائم حرب وإبادة وجرائم ضد الإنسانية، أشار ضمن ما أورده من حيثيات إلى أنها استخدمت أيضاً حرمان المواطنين من الإغاثة الإنسانية كسلاح حرب.

جلسة مجلس الأمن الأخيرة قد تكون انتهت بلا قرارات، لكنَّ ملف الوضع الإنساني لم يغلَق، وتقديري أننا سنسمع كثيراً عنه في الفترة المقبلة، وقد يكون باباً مشرعاً لقرارات لاحقة وللتدخلات والضغوط ما لم تفرض التطورات العسكرية الميدانية واقعاً مختلفاً.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تسييس الجوع والغذاء تسييس الجوع والغذاء



GMT 21:02 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

غطرسة شاهنشاهية

GMT 21:01 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

في الحديدة «ضَيَّعْت» الزَّمن!

GMT 21:00 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

اليمنيون هم أكبر ضحايا الحوثي

GMT 20:59 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الهروب من الوقائع لا يبعد الأخطار

GMT 20:58 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الإشكالية الكبرى؟!

GMT 20:57 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

أفكار وافدة

GMT 20:56 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حب استراتيجى !

GMT 20:55 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

مِنَح الجامعات الخاصة!

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates