انحسار مياه النيل يعيد جدل سد النهضة

انحسار مياه النيل يعيد جدل سد النهضة

انحسار مياه النيل يعيد جدل سد النهضة

 صوت الإمارات -

انحسار مياه النيل يعيد جدل سد النهضة

بقلم : عثمان ميرغني

صورُ انحسارِ منسوب مياه النيل في السودان، المتداولة هذه الأيام، تثير القلقَ؛ لما تنطوي عليه من مؤشرات خطيرة. فالأمر لم يقتصر على ظهور ألسنةٍ رملية نتيجة تراجع مياه النهر، حتى بدا في بعض المناطق أقرب إلى خور يمكن للناس عبوره سيراً على الأقدام، بل امتد إلى أزمة في مياه الشرب في أجزاء من مدينتَي الخرطوم بحري وأم درمان بعدما توقفت محطات رئيسية للمياه نتيجة انخفاض منسوب المياه. كما تأثرت مشاريع زراعية بخروج مضخات الري عن الخدمة، وظهرت آثار الانحسار في عدد من الولايات وصولاً إلى شمال السودان.

جاء هذا التراجع في وقت يتوقع فيه الناس عادةً ارتفاع منسوب المياه مع موسم الامطار، الأمر الذي جدد الجدل حول تأثيرات سد النهضة الإثيوبي. ففي رأي عدد من خبراء الموارد المائية أنه على الرغم من وجود مسببات طبيعية تتمثل في تأخر هطول الأمطار، فإن السبب الرئيسي يرتبط بتشغيل سد النهضة الذي غيَّر النمط الطبيعي لتدفق المياه. وعدَّ بعض الخبراء هذا الانحسار إنذاراً للسودان ومصر بشأن تداعيات السد، مع إصرار إثيوبيا على الإدارة الفنية بصورة منفردة، والتحكم في ضخ المياه من دون مشاركة لبيانات التخزين والتصريف، مما يجعل دولتي العبور (السودان) والمصب (مصر) رهينة قرارات أديس أبابا.

وتزداد المخاوف مع حديث إثيوبيا عن مشاريع لتشييد سدود أخرى، مثلما صرح بذلك رئيس وزرائها آبي أحمد، في مقابلة تلفزيونية من موقع سد النهضة في سبتمبر (أيلول) 2025، واصفاً افتتاح السد بأنه بداية مرحلة جديدة «تعزز مكانة إثيوبيا الجيوسياسية». وعاد الكلام عن هذا الموضوع إلى الواجهة مجدّداً بعدما نُشر في مواقع إسرائيلية أن أديس أبابا وضعت التصاميم لبناء ثلاثة سدود أخرى أعلى مجرى النيل الأزرق، مما يعني حتماً سحب كميات كبيرة من المياه للتخزين، وفرض سيطرة غير مسبوقة على تدفق المياه.

هذا النهج الأحادي يمثل تحدياً للسودان ومصر، ويتناقض مع خطاب إثيوبيا عن أنها تريد تحويل مشاريع المياه إلى أداة تعاون وتبادل للمنافع، بدل أن تكون مصدراً للصراع. فمنذ انطلاق مشروع سد النهضة قبل 15 عاماً، لم تنجح جولات التفاوض المتعددة في التوصل إلى اتفاقات ملزمة. حتى اتفاق المبادئ الذي وقع في الخرطوم عام 2015، بين السودان ومصر وإثيوبيا بهدف تحقيق التشاور والتعاون، بقي حبراً على ورق، ولم يحقق شيئاً.

في ظل هذا الوضع، يبقى الحديث عن الفوائد المحتملة، أو عن عدم إضرار المشاريع المائية الإثيوبية بجيرانها، غير ذي معنى في غياب اتفاق بشأن قواعد التشغيل وتبادل البيانات. فثمة توافق واسع بين خبراء الموارد المائية على أن غياب إطار قانوني مُلزم بين الدول المعنية، يبقى جوهر المشكلة، وأن الحل يكمن في تعاون إقليمي مؤسسي يقوم على الشفافية، وتبادل البيانات، والإدارة المنسقة للموارد المائية المشتركة.

فالمياه شريان الحياة، ومع الزيادات السكانية، واحتياجات التنمية، وارتفاع الطلب على الموارد، وتسارع التغيرات المناخية، يصبح التعاون بين الدول أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالبديل هو تعميق الخلافات، وفتح الباب أمام صراعات ستكون تكلفتها باهظة على الجميع.

والعالم ليس خالياً من النماذج الناجحة في إدارة الأنهار المشتركة. فمنظمة استثمار نهر السنغال التي تأسست عام 1972، بين مالي وموريتانيا والسنغال، تعد من أبرز التجارب في تقاسم المنافع المائية، إذ اتفقت الدول الأعضاء على تقاسم العوائد الاقتصادية للمياه بغض النظر عن الموقع الجغرافي للسدود، وأنشأت نظاماً للإدارة المشتركة للمشروعات الكبرى، بما في ذلك ملكية جماعية لبعض السدود.

كما تقدم لجنة نهر ميكونغ، التي تأسست عام 1975، بين تايلاند ولاوس وكمبوديا وفيتنام، نموذجاً آخر يقوم على التشاور المسبق بشأن مشاريع استغلال المياه وتوليد الطاقة الكهرومائية وحماية مصايد الأسماك للحد من النزاعات، وتحقيق التعاون في إدارة الموارد بتوفير منصة للحوار المستمر وتبادل البيانات الهيدرولوجية والتخطيط المشترك للمشاريع في هذه المجالات التي تمس الدول الموقِّعة. وإذا كان نموذج ميكونغ يقوم على مؤسسية التشاور الإقليمي، فإن تجربة نهر السنغال تذهب أبعد من ذلك عبر تقاسم إدارة المشروعات والتمويل والمنافع.

في المقابل، يقدم التاريخ أيضاً شواهد عديدة على تحول المياه إلى أداة للصراع. فقد شهدت عصور مختلفة نزاعات وحروباً ارتبطت بالسيطرة على الموارد المائية، أو استخدامها أحياناً لأغراض عسكرية، سواء بإغراق مناطق لتشكيل حواجز دفاعية، كما فعل الهولنديون في القرن السابع عشر لمنع تقدم الفرنسيين، أو بقطع إمدادات المياه مثلما فعل الصرب خلال حرب البوسنة.

ولذلك، فإن مستقبل حوض النيل لا ينبغي أن يُبنى على موازين القوة أو الإجراءات الأحادية، وإنما على قواعد واضحة للتعاون والشفافية وتقاسم المنافع. فإدارة الأنهار الدولية لم تعد مجرد قضية هندسية أو فنية، بل أصبحت اختباراً لقدرة الدول على بناء شراكات مستدامة تَحول دون تحول المياه، التي هي أساس الحياة، إلى سبب جديد للصراعات والحروب.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

انحسار مياه النيل يعيد جدل سد النهضة انحسار مياه النيل يعيد جدل سد النهضة



GMT 21:02 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

غطرسة شاهنشاهية

GMT 21:01 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

في الحديدة «ضَيَّعْت» الزَّمن!

GMT 21:00 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

اليمنيون هم أكبر ضحايا الحوثي

GMT 20:59 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الهروب من الوقائع لا يبعد الأخطار

GMT 20:58 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الإشكالية الكبرى؟!

GMT 20:57 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

أفكار وافدة

GMT 20:56 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حب استراتيجى !

GMT 20:55 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

مِنَح الجامعات الخاصة!

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates