السودان أزمة الاقتصاد والحرب المتعددة الجبهات

السودان: أزمة الاقتصاد والحرب المتعددة الجبهات

السودان: أزمة الاقتصاد والحرب المتعددة الجبهات

 صوت الإمارات -

السودان أزمة الاقتصاد والحرب المتعددة الجبهات

بقلم : عثمان ميرغني

منذ اندلاع الحرب في السودان، لم نسمع شكوى بالحدة التي نسمعها اليوم عن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. فالمواطن السوداني، المعروف بصبره، بدا وكأنه بلغ حدود الاحتمال أمام الضغوط المعيشية المتفاقمة، والغلاء الطاحن، والارتفاع المتواصل في أسعار السلع الأساسية.

يكفي أن تبادر أحدهم بالسؤال التقليدي: «كيف الحال؟» حتى يتحول الحديث سريعاً إلى الأسعار والدولار وتكاليف المعيشة. وبالنسبة إلى كثيرين، تبدو الأوضاع اليوم أكثر صعوبة مما كانت عليه في بدايات الحرب، مع التراجع المستمر في قيمة الجنيه السوداني.

لا شك في أن عوامل خارجية أسهمت في زيادة الضغوط الاقتصادية، إذ أدى إغلاق مضيق هرمز، واضطراب حركة التجارة الدولية، وارتفاع أسعار الطاقة والسلع إلى انعكاسات واسعة على الاقتصاد العالمي برمته. غير أن أثر هذه التطورات كان أشد وطأة على السودان بسبب هشاشة وضعه الاقتصادي في ظل حربه التي دخلت عامها الرابع.

وتكشف الأرقام الرسمية حجم الاختلال في الميزان التجاري. فصادرات الذهب على سبيل المثال بلغت نحو 370 مليون دولار خلال الربع الأول من العام الحالي، في حين تجاوزت فاتورة استيراد الوقود وحدها 697 مليون دولار خلال الفترة نفسها. وتتسع هذه الفجوة مع ارتفاع أسعار السلع المستوردة، وازدياد الاحتياجات المحلية في ظل تعطل قطاعات إنتاجية واسعة وخروج كثير من المرافق عن الخدمة منذ اندلاع الحرب.

وقد أدى هذا الواقع إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية، وفي مقدمتها الدولار، بصفته العملة الرئيسية للتجارة الدولية، ما دفع سعره إلى تجاوز خمسة آلاف جنيه سوداني خلال فترة وجيزة. ومع هذا التدهور المتسارع في قيمة العملة الوطنية، تصاعدت الضغوط المعيشية وأصبح الغلاء القضية الأكثر حضوراً في حياة الناس، فيما ارتفعت نبرة التذمر الشعبي بصورة لا يمكن للحكومة تجاهلها.

في مواجهة هذه التطورات، تحرك بنك السودان المركزي للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وضخّ عملات صعبة بهدف كبح ارتفاع الدولار والحدّ من تراجع الجنيه. وقد تحقق هذه الإجراءات أثراً محدوداً على المدى القصير، لكنها لا تعالج جذور الأزمة التي أصبحت تمثل، إلى جانب المعركة العسكرية، أحد أخطر التحديات التي تواجه الدولة.

الحقيقة أن السودان لم يخض منذ اليوم الأول للحرب مواجهة عسكرية فقط، بل واجه أيضاً حرباً اقتصادية واسعة النطاق استهدفت البنية التحتية والمرافق الخدمية وقطاعات الإنتاج. فقد تحولت مناطق صناعية كاملة إلى ساحات للتدمير والنهب، ولم يقتصر الأمر على تعطيل المصانع، بل شمل تفكيك معداتها وتهريبها خارج البلاد. كما تعرضت المستشفيات للتخريب وسرقة تجهيزاتها، ولم يسلم القطاع الزراعي من عمليات النهب والتدمير التي شملت المزارع والمعدات ومراكز البحوث ومستودعات الحبوب في عدد من المناطق. وترافق ذلك مع هجرة الكفاءات الوطنية والقوى العاملة المؤهلة، وفقدان ملايين السودانيين مصادر دخلهم، ما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة والفقر بصورة غير مسبوقة.

الأزمة الاقتصادية الراهنة في السودان هي أزمة مركّبة من دون شك؛ جزء منها يعود إلى اختلالات هيكلية سبقت الحرب بسنوات، وجزء آخر نتج مباشرة عن تداعياتها. فالحرب استنزفت الموارد العامة، وقلصت الإيرادات، وفرضت أعباء إضافية على الدولة لإعادة تأهيل المرافق الحيوية التي ظلت هدفاً متكرراً للهجمات والتخريب. وفي الوقت نفسه، توسع اقتصاد الحرب ونمت أنشطة الاقتصاد غير الرسمي، بينما استمرت عمليات تهريب الذهب واستنزاف الموارد في مناطق النزاع، ما حرم الخزانة العامة من موارد هي في أمسّ الحاجة إليها.

ومن المرجح أن تكون المعركة الاقتصادية أطول عمراً من المعركة العسكرية نفسها. ولذلك فإن الحاجة باتت ملحة إلى إجراءات توقف التدهور المتسارع للعملة الوطنية، وتخفف أعباء المعيشة عن المواطنين، بالتوازي مع وضع رؤية اقتصادية متكاملة للتعافي وإعادة البناء.

غير أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على التدخلات النقدية وحدها، لكبح ارتفاع الدولار. فالأولوية يجب أن تكون لزيادة الموارد الحقيقية للاقتصاد عبر إحكام الرقابة على صادرات الذهب ومنع تهريبها، وتوجيه حصائل الصادرات عبر القنوات الرسمية، إلى جانب اتخاذ إجراءات أكثر فاعلية لتشجيع تحويلات السودانيين بالخارج عبر الجهاز المصرفي. كما أن استعادة النشاط الإنتاجي في القطاعات الزراعية والصناعية الآمنة تمثل ضرورة عاجلة، لأن أي استقرار مستدام للعملة الوطنية لن يتحقق من دون زيادة الإنتاج والصادرات.

وفي الوقت نفسه، تحتاج الدولة إلى تبني برنامج اقتصادي طارئ يوازن بين متطلبات الحرب واحتياجات المواطنين المعيشية. فالمعركة الاقتصادية ليست معركة أرقام وموازنات فحسب، بل هي معركة لاستعادة ثقة المواطنين والمستثمرين في قدرة الدولة على إدارة المرحلة، ووضع البلاد على طريق التعافي والاستقرار.

وربما يكون من الضروري عقد مؤتمر اقتصادي وطني بهدف صياغة خريطة طريق واقعية للخروج من الأزمة، وصياغة برنامج طويل الأمد يعيد بناء الاقتصاد على أسس أكثر استدامة وكفاءة. فالسودان لن يبلغ الاستقرار الحقيقي بمجرد توقف الحرب، بل عندما يتمكن من معالجة أزمته الاقتصادية واستعادة قدرته على الإنتاج والنمو.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السودان أزمة الاقتصاد والحرب المتعددة الجبهات السودان أزمة الاقتصاد والحرب المتعددة الجبهات



GMT 21:02 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

غطرسة شاهنشاهية

GMT 21:01 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

في الحديدة «ضَيَّعْت» الزَّمن!

GMT 21:00 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

اليمنيون هم أكبر ضحايا الحوثي

GMT 20:59 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الهروب من الوقائع لا يبعد الأخطار

GMT 20:58 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الإشكالية الكبرى؟!

GMT 20:57 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

أفكار وافدة

GMT 20:56 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حب استراتيجى !

GMT 20:55 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

مِنَح الجامعات الخاصة!

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 19:05 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة
 صوت الإمارات - تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول

GMT 12:24 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

منصور بن زايد يبحث العلاقات مع كازاخستان

GMT 13:38 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محاكم دبي تعرض خدماتها الذكية في مؤتمر دولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates