الإنسان جسرٌ أم بحر

الإنسان... جسرٌ أم بحر؟

الإنسان... جسرٌ أم بحر؟

 صوت الإمارات -

الإنسان جسرٌ أم بحر

بقلم - فاطمة ناعوت

بعد مشاهدتى مسلسل «لعبة الحبّار»، الذى سأخصص له مقالًا قادمًا، ومسلسل «عرض الثمانية»، وكلاهما إنتاج كورى، وكذلك فيلم «بلاتفورم»، الإسبانى، تأملتُ هشاشة الإنسان وقسوته وساديته وطمعه، فكرتُ فى طبيعة «الإنسان» العجيبة، ووددتُ فى أن نتشارك الأفكارَ حول هذا اللغز.

ما الإنسان؟، منذ بدايات الفكر، لم يكن سؤال «ما الإنسان؟» سؤالًا معرفيًا فقط، بل سؤالًا وجوديًا. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذى يجرؤ على مساءلة ذاته حول ذاته. لذلك ظلَّ السؤالُ عصيًا؛ كلُّ إجابة تُضاف إلى سجلّ المحاولات، لا إلى تقرير الحسم.

على مدار الأزمنة ظلت محاولات تعريف «الإنسان» مراوغة. الفلاسفة، الشعراء، المتصوفة، جميعهم حاولوا الإمساك به، لكن ما إن يظنّوا أنهم قبضوا عليه حتى يتفلّت من بين أيديهم. أهو كائنٌ عابرٌ لا يملك إلا أن يتجاوز ذاته؟، أم هو جوهرٌ سرمدىّ يتلألأ بأنوار الغيب؟. يرى «نيتشه» أن الإنسان مجرد «جسر» فوق هاوية؛ لا بد أن يعبره ليصل إلى ضفة «الإنسان الأعلى» أو الإنسان الفائق. بينما يرى المتصوفة أن الإنسان بحرٌ من اللؤلؤ، كلما غاص فيه انعكست فيه أنوارُ الحق. وبين هذين الحدّين: الجسر المعلّق فوق الفراغ، والبحر الممتد بلا قرار، تتأرجح صورةُ الإنسان، نصفها غياب ونصفها حضور.

فى كتابه «هكذا تكلّم زرادشت» لم يرَ «نيتشه» فى الإنسان إلا كائنًا غيرَ مكتمل أو مشروعًا هشًّا فى حال عبور دائم، أى: جسرٌ بين الحيوان و«الإنسان الأعلى». فالإنسانُ ليس غايةً، بل مرحلةٌ فى رحلة طويلة، لا يحق له أن يستقر، لأن الركون موت. فالجسر ليس مكان إقامة، بل ممرٌّ محفوف بخطر السقوط فى الهاوية، قيمته فى أنه يتيح العبور. الإنسان إذن عنده كائن فى صيرورة، يحيا بالقدرة على تجاوز نفسه، ويهلك متى ظنّ أن إنسانيته غايةٌ مكتملة.

أما المتصوفة فقد قلبوا المعادلة. لم يروا الإنسان جسرًا يُلغى، بل مرآةٌ يُتجلّى فيها الحقُّ تعالى. الإنسانُ بحرٌ بلا قرار، إذا غُصتَ فيه وجدتَ الدُرر واللآلئ، وكلُّ غوصٍ كشفٌ جديد. الإنسان عندهم ليس طريقًا نحو «ما بعد»، بل كيانٌ فى ذاته يكفى للامتلاء بالنور، حتى يُشعُّ ضوؤه.

«الإنسان الكامل» عند «محيى الدين ابن عربى»، هو الجامعُ بين الحق والخلق. صورة تتجلّى فيها الأسماءُ الإلهية. وفى «الفتوحات المكية» يصف «آدمَ» بأنه جلاءُ مرآة الوجود، إذ أراد اللهُ أن يرى أعيانَ أسمائه فخلق العالم، ثم جعل الإنسانَ جامعًا لها. هنا لا حاجة لعبور إلى مستقبل مُتخيَّل، بل لغوص فى الداخل، حيث يكتشف المرءُ أن النورَ الذى ينشده يسكن قلبَه منذ البدء. «الإنسان» عند المتصوفة ليس كائنًا ناقصًا يسعى للكمال كما عند «نيتشه». بل هو مكتملٌ بالقوة، يحتاج فقط إلى كشف الحُجُب ليكتشف طبقات النور. كأنما الإنسان بحرٌ من اللآلئ، كل غوص يكشف عن جوهرة، وكل جوهرة تعكس وجهًا من وجوه الله جلّ وعلا.

وتبدو المفارقة صارخة بين الرؤيتين: النيتشوية والصوفية. عند «نيتشه»، الإنسان ناقصٌ مهدّد بالسقوط، عليه عبور المستقبل من أجل الاكتمال والسموّ. وعند المتصوفة، الإنسانُ مكتملٌ بالفعل لكنه محجوب عن ذاته، يحتاج إلى الكشف لا إلى العبور. «نيتشه» يضع الغايةَ فى الأفق البعيد، والمتصوفة يضعونها فى القلب. لكنهما يتفقان فى رفض صورة الإنسان النهائية المستقرة. فالإنسانُ الراهن غير مكتمل عند «نيتشه»، ولا هو الحقُّ عند المتصوفة بصورته الظاهرة دون حفر فى العمق بحثًا عن النور. الفيلسوف يضع المصيرَ فى المستقبل، والمتصوفُ يضعها فى العمق. الأول يصوغ الإنسان بالنار، والثانى يسكبه بالنور. ورغم التناقض، يلتقى الاثنان فى ثورتهما على الجمود، ورفضهما أن يكون الإنسانُ نهايةً ميّتة. «نيتشه» يحطم أوثان الاكتفاء، والمتصوفة يحطمون أوثان الظاهر. هذا يرفع شعار: تجاوزْ نفسَك لتسمو، وأولئك يرفعون شعار: اكشف نفسَك لتُضىء. وفى الشعارين إعلانٌ أن الإنسان مشروع مفتوحٌ لا يُغلق. عند «نيتشه»، الغياب هو وقود الحركة. وعند المتصوفة، الحضور هو سرّ الكشف.

ويبقى السؤال: هل على الإنسان الاحتراقُ ليولد من رماده، أم يتقشّر ليصفو ويصير مرآة للنور؟ هل الإنسانُ جسر فوق هاوية، أم بحرُ لؤلؤ يتلألأ بأنوار الحق؟، والمفارقةُ الطريفة أن الإنسان إما جسرٌ فوق بحرٍ، أو بحرٌ يعلوه جسرٌ!، ويظل الإنسان لغزًا لا يقبل الحسم، مثل طيف يمر على ضفاف المعنى دون أن يستقر.

ولعلّ الحقيقة أن الإنسان جسرٌ وبحر فى آن. يعبر الأزمنةَ كما يغوص فى الأعماق. من يراه جسرًا فقط يعيش قلقَ المجهول، ومن يراه بحرًا فقط قد يغرق دون كشف. أما من يجمع بين السعى والغوص، بين الشوق إلى المستقبل والبحث فى العمق، فقد يقترب من صورة الإنسان الأجمل: كائنٌ يتجاوز نفسَه ويكشفها فى اللحظة ذاتها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الإنسان جسرٌ أم بحر الإنسان جسرٌ أم بحر



GMT 01:24 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

أجمل هدف لم يأتِ فى الدورى!

GMT 01:22 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

مشهد رخيص من موسكو

GMT 01:20 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كروان السينما «المُلك لك لك لك»

GMT 01:17 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سنة أولى برلمان

GMT 01:15 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

إطلالات وردية ملهمة من فالنتينو تزامناً مع شهر التوعية بسرطان الثدي

باريس - صوت الإمارات
تستعيد الأوساط الموضة والجمال مجموعة من أبرز إطلالات النجمات وعاشقات الموضة بصيحة اللون الوردي الأحادية المشهورة بتوقيع دار الأزياء العالمية فالنتينو، وذلك بالتزامن مع فعاليات شهر "أكتوبر الوردي" المخصص للتوعية بمرض سرطان الثدي ودعم المحاربات حول العالم. وتعود هذه الصيحة البارزة التي أطلقتها الدار العالمية في سبتمبر عام 2022 تحت اسم "PP Pink" لتمنح النساء أفكاراً تنسيقية فخمة ومبتكرة تعتمد على المظهر المونوكروم باللون الوردي الفاقع. وتألقت النجمة ياسمين صبري بتلك الصيحة خلال إحدى المناسبات الخاصة بالموضة، حيث ارتدت فستاناً طويلاً باللون الزهري تميز بياقة ضيقة وأكمام قصيرة وقصة محددة عند الخصر يتخللها شق جانبي، وأكملت المظهر بحذاء وردي بكعب عالٍ وجوارب وحقيبة يد بنفس اللون. كما ظهرت عارضة الأزياء جيجي حديد بإطلال...المزيد

GMT 20:48 2025 الأربعاء ,02 إبريل / نيسان

زلزال بقوة 5.2 ريختر يضرب أيسلندا

GMT 14:50 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

حافظ على رباطة جأشك حتى لو تعرضت للاستفزاز

GMT 06:20 2019 الخميس ,10 تشرين الأول / أكتوبر

أجمل 5 جزر في العالم لقضاء أجمل الأوقات

GMT 23:24 2018 الجمعة ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

انطلاق أعمال " قمة الثروة العربية 2018 " في دبي

GMT 22:06 2018 الإثنين ,06 آب / أغسطس

أمل شوقي تكشف عن تصميم مجموعتها الجديدة

GMT 19:31 2016 الجمعة ,15 إبريل / نيسان

مخاوف من موت آخر نسر ذهبي في إنجلترا في الربيع

GMT 09:21 2017 السبت ,23 كانون الأول / ديسمبر

مازيراتي توقف أغلب خطوط تجميع سياراتها لمدة شهر

GMT 13:34 2014 السبت ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

دراسة تثبت أن المياه تكونت في نفس توقيت تكون نفس الصخر
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates