أسئلةٌ لا تغيب وفلاسفةٌ تجيب

أسئلةٌ لا تغيب وفلاسفةٌ تجيب

أسئلةٌ لا تغيب وفلاسفةٌ تجيب

 صوت الإمارات -

أسئلةٌ لا تغيب وفلاسفةٌ تجيب

بقلم : عبد الرحمن شلقم

سؤالٌ مزمنٌ لم يغادر رؤوسَ الفلاسفة والمفكرين العرب على مدى أكثرَ من قرن. ما عاشه العربُ تحت وطأة الاستعمار الأوروبي سنواتٍ طويلةً، وتوطَّن وباء التَّخلف في ديارهم، بكل ما فيه من تدنٍ اجتماعيّ واقتصاديّ، وعلميّ، وثقافيّ، وصحيّ. انفجر سؤالٌ ناريٌّ، وهو: لماذا تخلَّفنا وتقدَّم الآخرون؟ اعتقد غالبيةُ المسلمين بمن فيهم العربُ، عندما كانوا تحت مظلَّةِ الخلافةِ العثمانية، أنَّهم أمةٌ قوية لها مقوماتٌ، وقدرات لا تقلَّ عمَّا يمتلكه غيرُهم من البشر على سطح المعمورة. لقد قارعتِ الدولة العثمانية القوى الأوروبيةَ المجاورة لها، وتمكَّنت من السيطرة على مساحات واسعة من القارة الأوروبية، واحتلت مدناً كبيرة منها.

في القرون الوسطى التي استمرت من القرن الخامس إلى القرن الخامس عشر، كانت أوروبا لا تمتلك قدراتٍ اقتصادية ومستويات اجتماعية وحتى عسكرية تجعلها متفوقةً على الإمبراطورية العثمانية. بدأ الاختلالُ بين قدرات الطرفين، عندما تحرَّرت أوروبا من هيمنة الكنيسة، ومن سيادة الفكر الكهنوتي المتخلف، وشروق شمس العقل الذي فتح الباب للفلسفة والتعليم المدني والعلم. ثورتان تاريخيتان قادتا إلى قفزات تاريخية في أوروبا، الأولى كانت اختراع غوتنبرغ للمطبعة سنة 1450 ومكَّنت نسبةً كبيرة من الشعب في القارة الأوروبية، من قراءة ما ينتجه الفلاسفة والمفكرون والعلماء في جميع أنحاء القارة، وبدء ازدهار الترجمة، وانتشار التعليم في المدارس والجامعات. الثورة الأخرى كانت بقيادة مارتن لوثر، الذي واجه كنيسة روما الكاثوليكية سنة 1517، وأسس المذهب البروتستانتي. ساعدت المطبعة على نشر أفكار مارتن لوثر، وما يُطبع من كتب المفكرين والفلاسفة الأوروبيين. في المقابل، منعتِ السلطنة العثمانية، دخول الاختراع الثوري المطبعة، إلى كامل أراضيها؛ بحجّة حماية المصحف من التحريف والتزوير، استمر ذلك المنع إلى سنة 1727، عندما سمحتِ السلطنة باستعمال المطبعة في أراضي الإمبراطورية العثمانية. تلك القرون الثلاثة، كانت زمناً خُصِم من العقل والعلم والنهوض في بلاد المسلمين بمن فيهم العرب. استوطنَ الوهنُ وعمَّتِ الأميةُ والجهلُ وتجذَّر التخلف في بلاد العرب الذين هاموا في كهوف الخرافات والشعوذة، في حين اندفعت أوروبا من عصر النهضة إلى التنوير ودخلت عصرَ الصناعة والقوة الشاملة، ودفعتها قوتُها إلى استعمار الأمم المتخلفة الضعيفة. ارتفع السؤالُ في سطور وأصوات المفكرين العرب: ما أسبابُ تخلفنا الذي قاد إلى استعمارنا؟

استمر هذا السؤال حاضراً على مدى قرون، ولم يتوقف البحث والتحليل للإجابة عنه من المفكرين العرب. في العقود الأربعة الماضية، برز مفكران عربيان هما عبد الله العروي المغربي ومالك بن نبي الجزائري. تصديا للسؤال العربي المزمن ذاته، وهو: لِمَ تخلَّفنا ولم نستطع أن نلحقَ بمسيرة التقدم والتطور الهائل والسريع، الذي تنطلق فيه أممٌ أخرى في هذا العصر؟ المفكران ألَّفَا كثيراً من الكتب تتمحور غالبيتُها، حول شروط النهوض والتقدم، وتفكيك جذور التخلف، الذي لا يزال يفعل فعله في كثير من المجتمعات العربية. المفكر عبد الله العروي ألَّف عدداً كبيراً من الكتب، وهي: «الآيديولوجيا العربية المعاصرة»، و«مفهوم الدولة»، و«مفهوم العقل»، و«مفهوم التاريخ»، و«مفهوم الحرية»، و«العرب والفكر التاريخي» وكتاب «الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية»، وله كثير من الروايات. العروي امتلك بأعماله صفة الفيلسوف الحقيقي؛ ففي جميع ما كتبه غاصَ في مكونات الإنسان، ومرتكزات فاعليته، وزوايا الوهن في المجتمعات، وروافع النهوض والحضارة. اشتبك في أعماله مع معطيات التاريخ والدين والثقافة والتكوين الاجتماعي. قال إنَّ القرن العشرين جاء بحقائق إنسانية جديدة، وواقع أكثر تعقيداً، فالعالم لم يعد يتحرّك ببطء كما كان في الماضي، فقد صارت التحولاتُ سريعةً جداً، فالذي كان متخلفاً أو مُدَمَّراً بالكامل يوماً، تحول قوةً اقتصادية عالمية، وهذا ما حدث مع اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ومع فيتنام وكوريا الجنوبية والصين وسنغافورة، وهنا يشخصُ أمامنا السؤال الجديد، وهو: لماذا تتغير بعض الأمم بسرعة، في حين تبقَى أممٌ أخرى تدور في حلقة مغلقة من الوهن والتخلف؟ كان العروي يرى أنَّ المجتمعات التي تتأخر عن الدخول في العصر الحديث لا يمكنها أن تفرضَ شروطها على التاريخ، ويكرر أنَّ النقاشات العربية السائدة، تدور حول مفاهيم لا علاقة لها بالعصر الذي نعيش فيه، وأننا نحاول أن نواجه مشكلات حديثة، بأفكار ومفاهيم قديمة، ويرى أنَّ الحضارة هي طريقة في التفكير.

مالك بن نبي بدأ بالإنسان نفسه، ولم يبدأ من التاريخ. ألَّف من الكتب: «شروط النهضة»، و«الظاهرة القرآنية»، و«مشكلة الثقافة»، و«الصراع الفكري في البلاد المستعمرة»، و«مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي»، و«المسلم في عام الاقتصاد» و«ميلاد مجتمع». كانَ مالك بن نبي يرى أنَّ الحضارة تبدأ بالفكر وليس بالمال وحده، وأنَّ المشكلة في العالم الإسلامي ليست في نقص السكان أو الثروة، إنَّما المشكلة في تنظيم المقدّرات، وعلى رأسها البشر واستثمارها استثماراً صحيحاً؛ فالأرض إذا لم تُزرَع تبقى بوراً، وإذا بقي الزمن دون استثماره يبقى مجردَ وقت يتحرك دون عطاء، والحضارة لا تستورد، لكنّها تُنتج.

أجاب عبد الله العروي، ومالك بن نبي عن السؤال القديم المتجدد، برؤية أخرى، وهي غياب القدرة على بناء ركائز الحضارة بالإنسان والفكر والعلم.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أسئلةٌ لا تغيب وفلاسفةٌ تجيب أسئلةٌ لا تغيب وفلاسفةٌ تجيب



GMT 21:02 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

غطرسة شاهنشاهية

GMT 21:01 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

في الحديدة «ضَيَّعْت» الزَّمن!

GMT 21:00 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

اليمنيون هم أكبر ضحايا الحوثي

GMT 20:59 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الهروب من الوقائع لا يبعد الأخطار

GMT 20:58 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الإشكالية الكبرى؟!

GMT 20:57 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

أفكار وافدة

GMT 20:56 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حب استراتيجى !

GMT 20:55 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

مِنَح الجامعات الخاصة!

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 19:05 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة
 صوت الإمارات - تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول

GMT 12:24 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

منصور بن زايد يبحث العلاقات مع كازاخستان

GMT 13:38 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محاكم دبي تعرض خدماتها الذكية في مؤتمر دولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates