ثورة الاتصالات والضحايا السعداء

ثورة الاتصالات والضحايا السعداء

ثورة الاتصالات والضحايا السعداء

 صوت الإمارات -

ثورة الاتصالات والضحايا السعداء

بقلم:د. آمال موسى

 

إن وضع المجتمعات العربية اليوم كوضع من ركب القطار متأخراً. هناك دائماً نوع من الوعي بالمستجدات متأخر جداً، الأمر الذي يجعلنا في دوامة من الإخفاقات. بل إن تصورنا للصراع لم يبرح فكرته القديمة وما زال الاعتقاد بالصراع على الشاكلة القديمة التقليدية، والحال أن الحروب بالمعنى التقليدي للكلمة تقريباً قد تم تجاوزها خصوصاً فيما يتصل بآليات الحرب وأسلحتها.

فالقوة حسب تصورنا هي امتلاك جيش قوي وضمان الحد الأدنى من السلاح وانتشار روح الفداء. وهذا أمر لا محالة ليس خاطئاً ولكنه لم يعد كافياً كما كان في الصراعات والحروب التقليدية. وهنا لا بد من التمييز بين الحرب والصراع: الحرب في طريقها إلى الزوال من حيث الشكل وترتيب الأدوات والآليات. أما الصراع فهو باقٍ بقاء المجتمع الإنساني لأنه جوهر الوجود في كوكب الأرض. لذلك فإن أشكال الصراع هي التي تتغير والحرب باقية ولكن بأقنعة مغايرة.

مَن يكسب الصراع اليوم هو الأقوى من حيث التحكم في عالم الاتصالات وفي قدرته على تحويله إلى قطاع حيوي وحساس مثله مثل الزراعة.

من يتحكم في الاتصالات يتحكم في العالم، ويستطيع أن يتعقب أنفاس أعدائه وخصومه وجيرانه وحتى أصدقائه.

ولا شك في أن الجاسوسية طريقة قديمة، والطرف الذي يملك الأكثر من الأسرار والمعلومات عن خصمه كانت حظوظ النصر وافرة أمامه. هذا الجانب الخفي من الحروب والصراعات هو ما اصطلح على تسميته في العصر الحديث بالمخابرات، التي شهدت ثورة حقيقية مع تكنولوجيا الاتصال. إن تاريخاً جديداً من موازين القوى بدأ مع ثورة الاتصالات.

ويمكن تحديد خطورة هذه الثورة من رصد التغييرات الحاصلة من تاريخ دخول الهاتف الجوال إلى مجال العلاقات الاجتماعية والتواصل بين الأفراد، إضافة إلى بداية زمن شبكات التواصل الاجتماعي ومختلف البرمجيات الخاصة بتحديد الأماكن من خلال الهاتف وتعقب السيارات من خلال جهاز مراقبة، وأيضاً أجهزة التنصت وكاميرات المراقبة.

طبعاً صحيح أن هذه الثورة أفادت البشرية جمعاء في نواحٍ عدة، كما سهلت كاميرات المراقبة فك ألغاز جرائم عويصة ومعقدة، وأيضاً خفضت شبكات التواصل من تكلفة التواصل والفواتير المرتفعة للهاتف الثابت. وصحيح أنها قربت المسافات والتواصل أصبح أسهل. ويكفي أن نتذكر أن الأم تستطيع التواصل مع ابنها المسافر والبعيد في قارة أخرى ورؤيته أيضاً بالكاميرا مما يخفض معاناة الشوق ويذلل فكرة البعد... ولكن إلى جانب كل هذه المزايا هناك تأثيرات سلبية لا ننتبه إليها. فهي ثورة أطاحت بالحرية والشفافية، وجعلت الناس مكشوفين ومراقبين (ميشال فوكو أشار إلى هذه المسألة في كتاباته). والذين يتحكمون في الفضاء الافتراضي يقومون بإحصاء معمق ودقيق لسكان العالم، ويعرفون عنهم كل صغيرة وكبيرة، ويمتلكون نسخاً من المحادثات، وثمة مَن يعرفون كل شيء عن مستخدمي وسائل الاتصال، والمستخدمون لا يدركون مع الأسف مدى درجة انتهاك بياناتهم وحكاياتهم.

وفي خضم كل هذا فنحن ضحايا سعداء لثورة الاتصالات، بل وتغمرنا الفرحة ونحن نشتري أحدث أجيال الهواتف الجوالة ونتسارع في إنشاء حسابات على أي شبكة تواصل اجتماعي جديدة من دون أن نضع في الحسبان أننا بصدد الوقوع في فخ الانتهاك الذاتي لكل بياناتنا، وما يعتمل في عقلنا وداخلنا ومشاعرنا.

هذا على المستوى الاجتماعي والفردي، فما بالنا بالجانب السياسي وتوظيف الثورة التي انتقلت إلى عالم المخابرات القائم أساساً على الاتصال والتجسس المعلوماتي. فإلى أي حد يمكن ضمان عدم سرية القرارات السياسية والخطط السرية للأنظمة وللأحزاب وللحركات التي تقدم نفسها حركات مناضلة؟ وهل يمكن لأي مناضل اليوم أن ينقطع عن استعمال الهاتف الجوال غير المضمون للتواصل مع رفاقه؟

لو نراجع قليلاً ما حصل في الأشهر الأخيرة من السنة الماضية، وندقق في دور الاتصالات في إحداث زلزال وتغيير موازين القوى. أليست الاغتيالات التي حصلت كانت بسبب خرق اتصالي؟ كما أن اغتيال أمين عام «حزب الله» ومعظم قادته ومن معهم ألم يسبقه تشويش وخرق مجال أجهزة الاتصالات في لبنان؟

لقد جعلت ثورة الاتصالات الجميع تحت مجهر مالكي وسائل الاتصال والبرمجيات والتطبيقات. الجميع مخترق باستثناء مَن يتحكمون في ابتكارها ويحتكرونها ثم يتم التعميم من أجل الرصد والمراقبة.

وعلى المستوى السياسي خصوصاً نعتقد أن الحل ليس فقط في جلب كفاءات كبيرة في مجال الاتصالات لإعداد أنظمة حماية للدولة من الاختراق، بل في الاستثمار العلمي في هذا المجال؛ لأن الكفاءة المستوردة تقدم لك برنامج حماية إلى حين، بينما الباحث الوطني يبتكر ويسبق بخطوة. نحن بحاجة ماسة إلى أن نسبق بخطوة كيلا نظل ضحايا وسعداء في الآن ذاته.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ثورة الاتصالات والضحايا السعداء ثورة الاتصالات والضحايا السعداء



GMT 01:24 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

أجمل هدف لم يأتِ فى الدورى!

GMT 01:22 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

مشهد رخيص من موسكو

GMT 01:20 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كروان السينما «المُلك لك لك لك»

GMT 01:17 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سنة أولى برلمان

GMT 01:15 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

GMT 01:13 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

السيادة الوطنية... مبدأ تحت الحصار

GMT 01:11 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

عبد الرحمن الراشد... ومشروع «النَّاصرية»

GMT 01:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

البيت الأبيض وامتياز التفاوض

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض - صوت الإمارات
سجّلت النجمات السوريات حضوراً لافتاً في حفل Joy Awards 2026، حيث تحولت السجادة البنفسجية إلى مساحة استعراض للأناقة الراقية والذوق الرفيع، في مشاركة حملت رسائل فنية وجمالية عكست مكانة الدراما السورية عربياً. وتنوّعت الإطلالات بين التصاميم العالمية الفاخرة والابتكارات الجريئة، في مزيج جمع بين الكلاسيكية والعصرية، وبين الفخامة والأنوثة. كاريس بشار خطفت الأنظار بإطلالة مخملية باللون الأخضر الزمردي، جاءت بقصة حورية أبرزت رشاقتها، وتزينت بتفاصيل جانبية دقيقة منحت الفستان طابعاً ملكياً. واكتملت إطلالتها بمجوهرات فاخرة ولمسات جمالية اعتمدت على مكياج سموكي وتسريحة شعر كلاسيكية مرفوعة، لتحتفل بفوزها بجائزة أفضل ممثلة عربية بحضور واثق وأنيق. بدورها، أطلت نور علي بفستان كلوش داكن بتصميم أنثوي مستوحى من فساتين الأميرات، تميز بقصة مكش...المزيد

GMT 18:01 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 04:53 2022 الجمعة ,24 حزيران / يونيو

تسريحات شعر قصير للعروس في 2022

GMT 13:26 2019 الثلاثاء ,02 تموز / يوليو

رُشِّحت لجائزة نوبل في الأدب لعام 2009

GMT 13:42 2021 الأحد ,16 أيار / مايو

مكتوم بن محمد رئيساً لديوان حاكم دبي

GMT 11:55 2019 الجمعة ,20 كانون الأول / ديسمبر

قائمة من فقدوا لقب "ملياردير" خلال 2019

GMT 09:49 2015 السبت ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

زلزال قوته 7 درجات يضرب جنوب غرب اليابان

GMT 12:35 2018 الخميس ,10 أيار / مايو

شرطة أبوظبي تحقق أمنية طفل بأن يصبح ضابطًا

GMT 16:31 2016 الثلاثاء ,19 كانون الثاني / يناير

اعصار يدمر منازل قرب شيكاجو وسقوط إصابات

GMT 17:55 2020 الخميس ,07 أيار / مايو

هجمات على الليرة التركية من لندن

GMT 04:41 2019 الجمعة ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

ثقب أسود جديد في "درب التبانة" بحجم أكبر 70 مرةً مِن الشمس
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates