تونس إعادة النظر في سياسة تحديد النسل

تونس: إعادة النظر في سياسة تحديد النسل

تونس: إعادة النظر في سياسة تحديد النسل

 صوت الإمارات -

تونس إعادة النظر في سياسة تحديد النسل

بقلم : د. آمال موسى

 

أثار تصريحُ وزير الصحة التونسي السيّد مصطفى الفرجاني مؤخراً، حول حاجة تونس اليوم إلى وضع تصورٍ جديد للتشجيع على الولادات، اهتماماً واسعاً وتفاعلاتٍ مختلفة، واستأثر بمساحات واسعة من البرامج الحوارية في الإذاعات والقنوات، فضلاً عن الصحافة المكتوبة، والنقاش في الفضاء العمومي وفي الأماكن العامة، على أساس أنَّه من تاريخ الاستقلال إلى اليوم لأول مرة يسمع التونسيون خطاباً من مسؤول سياسي في الدولة يتحدث عن التشجيع على الإنجاب.

لكي نفهم أكثر هذه النقطة، من المهم العودة إلى تاريخ تونس الخاص بالفترة الأولى من مرحلة الاستقلال، وكيف أنّ من أول الإصلاحات التحديثية التي قامت بها الدولة آنذاك بزعامة الراحل الحبيب بورقيبة هو إرساء سياسة تحديد النسل، أي التشجيع على الحد والتقليص من عدد الولادات. لذلك فإنَّ الجديد هو أن الخطاب السياسي للدولة قد انقلب بالكامل في خصوص مقاربة مسألة الإنجاب. وهو تغير نوعي كبير تفسره بكل بساطة وموضوعية الأرقام: معدل الإنجاب في تونس سنة 1960 أكثر من 7 أطفال لكل امرأة، وحالياً في سنة 2025 انخفض المعدل ليصل إلى 1.7 طفل لكل امرأة أي أقل من طفلين. فالفارق كبير ويستدعي الانتباه وتغيير السياسات، خصوصاً أن تونس اليوم تحت المعدل العالمي لتجدد الأجيال، الذي يقدر بـ2.1 طفل لكل امرأة.

إذن الأرقام فعلت فعلها لإعلان الانقلاب الجذري على أهم بند قامت عليه الدولة التونسية الوطنية الحديثة، وهو الترشيد السكاني من خلال سياسة تحديد النسل التي تجندت لها كل مؤسسات الدولة آنذاك.

السؤال: لماذا أصبح يتراوح معدل إنجاب الأسرة التونسية النواة اليوم بين الطفل والطفلين في أقصى الحالات؟ وهل هذه الظاهرة التي بدأت في الحقيقة تظهر مؤشراتها من عشر سنين أو أكثر، هي فقط يمكن تفسيرها بأنها نتاج المسار التحديثي التونسي الذي جعل الأسرة التونسية أقرب ما تكون في سلوكها الإنجابي إلى المثال الأوروبي، أم أن الظاهرة مركبة وتعود إلى أسباب عدة؟

إن تحديد أسباب ظاهرة التراجع الكبير في عدد الولادات في تونس مهم من ناحية أنه سيُمكن تونس من وضع التصور الذي سيخدم المقاربة الجديدة للإنجاب. وفي هذا السياق لا يجب الارتكان في عملية التفسير هذه إلى العامل الثقافي، وتغير العقليات بفعل المسار التحديثي الخاص بتونس مقارنة بمجمل الدول العربية. فلا شك في أن تغير العقليات والميل إلى مثال الأسرة قليلة العدد من أجل جودة الحياة وتلبية مستلزمات التربية ذات الجودة في التعليم والترفيه، إنما يمثل عاملاً أسهم في إنتاج معدل إنجاب أقل من طفلين لكل امرأة... ولكنّ التمعن في مؤشرات أخرى ذات صبغة كميّة اقتصادية من شأنه أن يقدم لنا الإجابات الأكثر دقة.

من هذه المؤشرات الجديرة بالانتباه التراجع في عدد الزيجات بنسبة 20 في المائة، أي أن الإقبال على الزواج يعرف نوعاً من العزوف يستحق أيضاً حزمة من التشجيعات. كذلك يعود التراجع في عدد الولادات إلى ارتفاع سن الزواج، الشيء الذي قلَّص من زمنية الخصوبة، خصوصاً أن معدل سن زواج التونسيات اليوم هو 30 سنة والرجل 35 سنة.

إذن هناك عامل أساسي لا يمكن التقليل من أهميته، إذ يمثل حسب اعتقادنا السبب الرئيس وراء تراجع عدد الولادات: فالتونسي تجاوز مرحلة كثرة الإنجاب بالمعنى الثقافي للتجاوز، ولكن العامل الاقتصادي هو الذي حدد حجم التراجع بشكل بات يبعث على القلق، ولولا هذا العامل لكان المعدل لكل امرأة يتراوح بين الطفلين والثلاثة. ذلك أن ارتفاع معدل البطالة يمثل سبباً رئيساً في تراجع عدد عقود الزواج على أساس ما يتطلبه اليوم الزواج من مسؤولية مادية والتزامات زائدة. وإلى جانب ذلك نجد عامل ارتفاع الطلاق في تونس، وهو في الحقيقة خاصية باتت تنسحب على جميع الدول العربية. واللافت للانتباه أنَّ غالبية حالات الطلاق تحصل في السنة الأولى من الزواج، وهو ما يسهم بدوره في إضعاف معدل الإنجاب بشكل أو بآخر. كما لا ننسى أن السبب المهيمن على حالات الطلاق هو الخلافات والإكراهات المادية التي تقود إلى فشل الزواج، الذي هو فشل في تحمل الأعباء المالية، وإدارة مؤسسة الزواج في بُعدها الاقتصادي.

إنَّ ما قاله وزير الصحة التونسي من ضرورة وضع تصور يشجع على الإنجاب، هو موقف موضوعي، ويكشف عن وعي النخبة السياسية الحاكمة بهذه الظاهرة ذات الصلة بتجدد الأجيال في تونس. وشخصياً خلال الفترة التي تحملت فيها مسؤولية وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة، اشتغلت على قانون جديد لعطلة الأمومة والأبوة، فيه إضافة نوعية، أهمها إحداث عطلة ما قبل الولادة، والترفيع بشهر إضافي في عطلة الولادة، وامتيازات أخرى مهمة تندرج في إطار التشجيع على الولادات، ولقد صدر هذا القانون في 13 أغسطس (آب) 2024. وتحملت الدولة الأثر المالي لهذا القانون، وهو في الحقيقة يمكن عدّه بأنه أول مؤشر على بداية ظهور تصور جديد للدولة يقوم على مبدأ التشجيع على الولادات.

طبعاً هذا القانون مساهمة تشريعية نوعية مهمة ولكنها غير كافية؛ لذلك فإن الجزء الوافر من التصور من المهم أن يركز على إحداث طفرة اقتصادية، وتعزيز الاستثمار والنمو الاقتصادي من أجل التخفيض في نسبة البطالة، وتحسين المقدرة الشرائية، وحتى إطلاق قروض دون فائض للزواج، وغير ذلك من الإجراءات الجاذبة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تونس إعادة النظر في سياسة تحديد النسل تونس إعادة النظر في سياسة تحديد النسل



GMT 21:02 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

غطرسة شاهنشاهية

GMT 21:01 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

في الحديدة «ضَيَّعْت» الزَّمن!

GMT 21:00 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

اليمنيون هم أكبر ضحايا الحوثي

GMT 20:59 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الهروب من الوقائع لا يبعد الأخطار

GMT 20:58 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الإشكالية الكبرى؟!

GMT 20:57 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

أفكار وافدة

GMT 20:56 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حب استراتيجى !

GMT 20:55 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

مِنَح الجامعات الخاصة!

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 19:05 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة
 صوت الإمارات - تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول

GMT 12:24 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

منصور بن زايد يبحث العلاقات مع كازاخستان

GMT 13:38 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محاكم دبي تعرض خدماتها الذكية في مؤتمر دولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates